محمد بن وليد الطرطوشي
303
سراج الملوك
فصل : الشكر بالجوارح « * » : وأما الشكر الذي على الجوارح ، فقال الله تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [ سبأ : 13 ] فجعل العمل شكرا . وقال عطاء « 1 » : دخلت على عائشة - رضي الله عنها - مع عبيد بن عمير « 2 » ، فقال لها عبيد : يا أمّ المؤمنين : حدّثينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فبكت ، وقالت : وأىّ شأنه لم يكن عجبا ؟ إنّه أتاني في ليلة ، فدخل معي في فراشي ، حتى مسّ جلدي جلده ، ثم قال : يا ابنة أبى بكر ؛ ذرينى أتعبّد لربّى ، قالت : قلت : إني أحبّ قربك . فأذنت له ، فقام إلى قربة من ماء ، فتوضأ وأكثر صب الماء ، ثم قام يصلّى ، فبكى حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه فبكى ، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة ، فقلت : يا رسول الله : ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ فلم لا أفعل وقد أنزل علىّ : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ البقرة : 164 - آل عمران 190 ] . فجعل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم الشكر بالعمل ، وبيّن به مراد الكتاب ، قال الله تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [ الفرقان : 62 ] أي كل واحد منهما يخلف الآخر ، فمن فاته العمل في أحدهما عمله في الآخر ، فجعل الأوراد « 3 » والأعمال بالجوارح شكرا . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قام حتى انتفخت قدماه ، فقيل : يا رسول الله ، تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) ! « 4 » وقال أبو هارون : دخلت على أبى حازم « 5 » ، فقلت له : رحمك الله ، ما شكر العينين ؟ قال : إذا رأيت بهما خيرا أذعته ، وإن رأيت بهما شرا سترته .
--> * من إضافات المحقق . ( 1 ) عطاء بن أبي رباح : تابعي ثقة كثير الحديث . ( 2 ) عمر بن عمير أبو عاصم المكي سبقت ترجمته . ( 3 ) الورد : جزء من القرآن يقوم به الإنسان كل ليلة . ( 4 ) الحديث : هذا الحديث متفق على صحته عن المغيرة بن شعبة قال : صلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، حتى انتفخت قدماه ، فقيل له : أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال أفلا أكون عبدا شكورا » ( شرح السنة - الإمام البغوي 4 / 45 رقم 931 ) . ( 5 ) أبو حازم : سلمان الأشجعي ، من المحدثين الثقاة في الكوفة وغيرها مات على رأس المائة الهجرية . أو أبو حازم سلمة بن دينار عالم المدينة وقاضيها مات سنة 140 ه .