محمد بن وليد الطرطوشي

299

سراج الملوك

الباب الرابع والثلاثون في بيان الخصلة التي هي رهن بسائر الخصال ، وزعيم بالمزيد من النّعماء والآلاء من ذي الجلال وهي : الشكر قال الله تعالى ، حكاية عن سليمان . عليه السلام ، وقد أتاه الله ملك الدنيا ، والجنّ والإنس ، والطير والوحش ، والرّياح تجرى بأمره كيف أراد ، فلما استمكن ملكه ، قال صلى اللّه عليه وسلم : هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [ النمل : 40 ] ، فما عدّها نعمة كما عدّها ملوك الأرض ، ولا حسبها كرامة من اللّه تعالى عليه ، كما ظنّها ملوك الأرض ، بل خاف أن تكون استدراجا من حيث لا يعلم ، كما قال تعالى في أمّة أراد هلاكهم : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [ الأعراف : 182 ، 183 - القلم : 44 ، 45 ] جاء في التفسير : أصبّ عليهم النّعم ، وأنسيهم الاستغفار . وإنّما الفرح بما أوتى من الدّنيا ، والغبطة بزهرتها ، والاغترار بزخرفها من شعار الكفار ، ألا ترى إلى قول ( قارون ) « 1 » اللعين : إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [ القصص : 78 ] وكان جوابه ما قال الله تعالى : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ [ القصص : 81 ] . ولما خاف سليمان عليه السلام ، ان يكون استدراجا ، كان جوابه ما قال الله تعالى : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] . واعلم - أرشدك الله - أنّ الشكر ليس حافظا للنّعم فقط ، بل هو مع حفظه لها ، زعيم بزيادة النعم ، وأمان من حلول النّقم . * * *

--> ( 1 ) قارون : من أثرياء العبرانيين في أيام موسى عليه السلام ، اضطهد موسى ومن معه فخسف الله به وبداره الأرض وذهبت ثروته وخزائن أمواله التي كانت تنوء عن حمل مفاتيحها العصبة من الرجال وهنا جزء من قصته التي وردت في القرآن الكريم .