محمد بن وليد الطرطوشي

294

سراج الملوك

وقال عمر بن عبد العزيز : القلوب أوعية والشّفاه أقفالها ، والألسن مفاتيحها ، فليحفظ كلّ امرئ مفتاح سرّه . ومن أعجب الأمور ، أن أغلاق « 1 » الدنيا كلما كثرت خزّانها كان أوثق لها ، إلا السر ؛ فإنه كلّما كثر خزّانه كان أضيع له ، فكم من إظهار سرّ أراق دم صاحبه ، ومنع من بلوغ مآربه ، ولو كتمه أمن من سطوته . قال أنوشروان : من حصّن سرّه فله بتحصينه خصلتان : الظّفر بحاجته والسّلامة من السّطوات ، وقال بعض الحكماء : سرّك من دمك ، فلا تجره في غير أوداجك « 2 » ، فإذا تكلّمت به فقد أرقته . وكان لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - كاتب يقال له : ( حمران ) « 3 » فاشتكى « 4 » عثمان ، فقال : أكتب العهد بعدى لعبد الرحمن بن عوف . فقال حمران لعبد الرحمن : البشرى ، فقال عبد الرحمن : لك البشرى ، بما ذا ؟ فأخبره الخبر ، فانطلق عبد الرحمن فأخبر عثمان ، فقال عثمان : أعاهد الله أن لا يساكننى حمران أبدا ، ونفاه إلى البصرة ، فلم يزل بها حتى قتل عثمان رضي الله عنه . واعلم أن كتمان الأسرار بدلّ على جواهر الرّجال . وكما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها ، فلا خير في إنسان لا يمسك سرّه . ويروى أن رجلا أودع سرّه عند رجل ، فقال له : أفهمت ؟ قال : بل جهلت . قال : احفظت ؟ قال : بل نسيت . وقيل لبعضهم : كيف كتمك السر ؟ قال : أجحد المخبر ، وأحلف للمستخبر ، وقال الشاعر : ولو قدرت على كتمان ما اشتملت * منّى الضّلوع على الأسرار والخبر لكنت أوّل من ينسى سرائره * إذ كنت من نشرها يوما على خطر

--> ( 1 ) أغلاق : أقفال . ( 2 ) الأوداج ؛ عروق في العنق . ( 3 ) حمران بن أبان بن عمرو ، أبا زيد ، سباه المسيّب الفزاري وكان يهوديا اسمه « طويدا » فاشترى لعثمان ثم اعتقه ، وصار يكتب بين يديه ، ثم غضب عليه ، فأخرجه إلى البصرة ، فلمّا قدم الحجّاج إلى البصرة آذاه وأخذ منه مائة ألف درهم فكتب إلى عبد الملك بن مروان يشكوه . فأمر بالإحسان إليه ورد ماله ( المعارف لابن قتيبة ص 435 ) . ( 4 ) اشتكى عثمان : أي مرض .