محمد بن وليد الطرطوشي
282
سراج الملوك
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للأشعث بن قيس « 1 » : إن تجزع فقد استحق ذلك منك بالرّحم ، وإن تصبر ففي ثواب الله تعالى خلف من ابنك ، وإن تصبر جرى عليك القلم وأنت مأجور ، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور « 2 » . ونظمه أبو تمام « 3 » فقال : وقال عليّ في التّعازي لأشعث * وخاف عليه بعض تلك المآثم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة * فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم خلقنا رجالا للتّجلّد والعزا * وتلك الأيامى للبكا والمآثم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لرجل : إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجورا ، وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزورا . وقال الحسن : والله لو كلّفنا الجزع ما قمنا به ، فالحمد لله الذي آجرنا على ما لو نهانا عنه لصرنا إليه . وعن هذا قالت الحكماء : الجزع أتعب من الصبر ، ففي الجزع التعب والوزر ، وفي الصبر الراحة والأجر ، ولو صوّر الصبر والجزع ، لكان الصبر أحسن صورة وأكرم طبيعة ، وكان الجزع أقبح صورة وأخور « 4 » طبيعة ، ولكان الصبر أولاهما بالغلبة ، لحسن الخلقة وكرم الطبيعة . وقال بعض العلماء : لو وكّل الناس بالجزع ، للجئوا إلى الصبر . وقال شبيب بن شيبة للمهدي « 5 » : إن المرء أحقّ ما صبر عليه ما لم يجد سبيلا إلى دفعه ، وأنشد : وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها * عظمت مصيبة مبتل لا يصبر
--> ( 1 ) الأشعث بن قيس ممن اشترك مع علي في صفين ، وقد سبقت ترجمته ، وهنا يعزيه الإمام عليّ رضي الله عنه عن ابن له مات . ( 2 ) مأزور : مقترف للوزر والإثم . ( 3 ) أبو تمام : هو حبيب بن أوس الطائي الشاعر العباسي المشهور ، نشأ في دمشق وتوفى في الموصل ، مدح الخلفاء خاصة المعتصم ، امتاز بخياله الواسع ، توفى سنة 231 ه . ( الأعلام 2 / 165 ) . ( 4 ) أخور : أضعف . ( 5 ) شبيب بن شيبة : أديب الملوك ، ونديم الخلفاء من أهل البصرة توفى سنة 170 ه . والمهدي هو محمد بن أبي جعفر المنصور ، ثالث الخلفاء العباسيين ، وقد سبقت ترجمته ، توفى سنة 169 ه .