محمد بن وليد الطرطوشي

276

سراج الملوك

الباب الثاني والثلاثون في الصبر الصبر زمام سائر الخصال ، وزعيم الغنم والظّفر ، وملاك كل فضيلة ، وبه ينال كل خير ومكرمة ، قال الله تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ الأعراف : 37 ] وقال تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] فمعظم وظائف الدين ذكر الله ورسوله جزاء معلوما لمن أقامها ، إلا الصبر ، فإنه بغير حساب . وقال تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السجدة : 10 ] ، قيل : عن الدنيا . وقال ابن عيينة « 1 » لما أخذوا برأس الأمر ، جعلهم الله رؤساء . وقال تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ [ الحجر : 97 ] . وقال تعالى : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [ الأنعام : 33 ] . وقال تعالى : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [ آل عمران : 186 ] . ثم ندبهم إلى الصبر مع وجود الأذى ، فقال : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ آل عمران : 186 ] . فالصبر : حبس النفس على الأوامر والمكاره ، وعن النواهي والمعاصي ، ألا ترى أن أهل الجنة نودوا فقيل لهم : سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ الرعد : 24 ] فأخبر الله تعالى : أنه أثابهم جنته بصبرهم ، يعني صبرتم على طاعة الله ، وصبرتم عن معصية الله . قال تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [ الكهف : 286 ] أي أحبس نفسك . . . الآية . فمن أمارات حسن التوفيق ، وعلامات السعادة : الصبر في الملمّات ، والرفق عند النوازل .

--> ( 1 ) ابن عينيه : هو سفيان بن عيينة المحدّث والعالم الكبير سبقت ترجمته .