محمد بن وليد الطرطوشي

274

سراج الملوك

وقال رجل لابن مسعود « 1 » : إني أخاف أن أكون قد هلكت ، سمعت الله تعالى يقول : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] وأنا رجل شحيح لا يكاد أن يخرج من يدي شيء ، فقال له ابن مسعود : هذا ليس بالشّحّ الذي ذكره الله تعالى ، فإنّه : أن تأكل مال أخيك ظلما ، ولكن ذلك البخل ، وبئس الشيء البخل . ففرّق بينهما كما ترى . وقال ابن العباس « 2 » : الشحيح يتبع هواه ، فلم يقبل الإيمان . وقال طاوس « 3 » : الشح ، أن يبخل المرء بما في أيدي الناس ، والبخل : أن يبخل بما في يديه . وروي أنس « 4 » : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بريء من الشح من أدّى الزكاة ، وقرى الضيف ، وأعطى في النائبة » « 5 » . وقال ابن زيد « 6 » : من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه ، ولم يدعه الشّحّ إلى أن يمنع شيئا أمر الله به ، فقد وقاه شحّ نفسه . وقال أبو الهياج الأسدي « 7 » : رأيت رجلا في الطواف يقول : ( اللهم قني شحّ نفسي ) . لا يزيد على ذلك شيئا ، فسألته عن ذلك ، فقال : إذا وقيت شح نفسي ، لم أسرق ، ولم أزن ، ولم أفعل شيئا يكرهه الله تعالى . وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف « 8 » .

--> ( 1 ) هو عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وخادمه وقد سبقت ترجمته . ( 2 ) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين بمكة وهو حبر الأمة وفقيهها مات بالطائف 68 ه . ( الأعلام 4 / 95 ) . ( 3 ) هو طاوس بن كيسان الخولاني - سبقت ترجمته . ( 4 ) هو أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه خادم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأخواله بنو النجار أخوال الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، يكنى بأبي حمزة ومن فقهاء الصحابة توفي سنة 93 ه . ( 5 ) رواه أبو يعلي في مسنده والطبراني في الكبير وسعيد بن زيد الأنصاري ( كنز العمال 1578 ) كما أورده القرطبي في الجامع عن أنس ( م 18 / 21 ) . ( الأعلام 2 / 24 ) . ( 6 ) هو عبد الواحد بن زيد الزاهد القدوة وشيخ الزهاد - سبقت ترجمت . ( 7 ) أبو الهياج الأسدي هو عمر بن مالك بن جنادة من أبناء بن الحارث ، جعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على خطط أهل الكوفة ( انظر : البلاذري في فتوح البلدان ص 388 والكلبي في جمهرة النسب ص 177 ) . ( 8 ) عبد الرحمن بن عوف : من أكابر الصحابة ومن العشرة المبشرين بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى ، وكان من الأجواد الشجعان العقلاء أعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا ، وكان يحترف في التجارة ، فأجمعت له ثروة كبيرة وتصدق يوما بقافلة فيها 700 راحلة ، توفى بالمدينة 32 ه . ( الأعلام 3 / 320 ) .