محمد بن وليد الطرطوشي

264

سراج الملوك

وقال الحسن : كنا نعدّ البخيل ، من يقرض أخاه الدرهم . ومن عجائب ما روي في الإيثار : ما ذكره أبو محمد الأزدي ، قال : لما احترق المسجد بمصر ، وظن المسلمون أن النصارى أحرقوه ، فأحرقوا خانا لهم ، فقبض السلطان جماعة من الذين أحرقوا الخان ، وكتب رقاعا فيها القتل وفيها القطع ، وفيها الجلد ، ونثرها عليهم ، فمن وقعت عليه رقعة ، فعل به ما فيها ، فوقعت رقعة فيها القتل بيد رجل ، فقال : ما كنت أبالي لولا أم لي ، وكان بجانبه بعض الفتيان ، فقال له : في رقعتي الجلد وليست لي أم ، فادفع إلي رقعتك وخذ رقعتي فقتل ذاك ، وتخلص هذا . وحكي أن أبا العباس الأنطاكي « 1 » ، اجتمع عنده نيف وثمانون رجلا ، بقرية بقرب الرّي « 2 » ولهم أرغفة لم تسع « 3 » جميعهم ، فكسروا الرغفان ، وأطفئوا السراج ، وجلسوا للطعام إلى أن كفوا ، فلما رفع ، إذا الطعام بحاله ، لم يأكل منه واحد منهم ، إيثارا لصاحبه على نفسه . وروي أنه اجتمع بالرّملة « 4 » جماعة من أرباب القلوب ، فحضر طبق فيه تين أخضر ، وقد غسق الليل « 5 » فكان الواحد يمد يده ، فإذا ظفر بحبة حصرم « 6 » يأكلها ، وإن ظفر بطيب دفعه إلى صاحبه ولم يأكله ، فلما رفع الطبق ، إذا الطيب كله في الطبق لم يأكلوا منه شيئا . وقال بعض الرواة : دخلت على بشر الحافي « 7 » في يوم شديد البرد ، وقد تعرّى من الثياب ، فقلت : يا أبا نصر ، الناس يزيدون الثياب في مثل هذا اليوم وأنت تنقص ؟ فقال : ذكرت الفقراء وما هم فيه ، ولم يكن لي ما أواسيهم به ، فأردت أن أرافقهم بنفسي في مقاساة البرد .

--> ( 1 ) أبو العباس الأنطاكي : مؤرخ من أهل أنطاكية له « ذيل التاريخ » توفي سنة 458 ه . ( 2 ) الري : مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات قبل أنه لم يكن بعد بغداد أعمر منها تبعد عن نيسابور 160 فرسخا زاد المهدي في عمارتها منذ خلافة المنصور فجعل حولها خندقا وبني فيها المسجد الجامع . ( 3 ) أرغفه لم تسع جميعهم : أي لم تكن تكفيهم . ( 4 ) الرملة : مدينة عظيمة في فلسطين شمال شرق القدس . ( 5 ) غسق الليل : أظلم . ( 6 ) الحصرم : ثمار غير ناضجة والطيب الثمار الناضجة . ( 7 ) بشر الحافي : بشر بن الحارث بن علي بن عبد الرحمن من كبار الصالحين له في الزهد والورع أخبار وهو من ثقات رجال الحديث من أهل مرو قال المأمون لم يبق في هذه الكورة أحد يستحى منه غير هذا الشيخ بشر بن الحارث توفي سنة 227 ه . ( الأعلام 2 / 54 ) .