محمد بن وليد الطرطوشي

255

سراج الملوك

وكتب بعض ملوك الفرس كتابا ، ودفعه إلى وزيره ، وقال له : إذا غضبت فناولنيه ، وفيه مكتوب : مالك وللغضب ، إنما أنت بشر ، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء . وكان معاوية كثيرا ما ينشد : إنّا إذا مالت دواعي الهوى * وأنصت السّامع للقائل واعتلج النّاس بألبانهم * نقضي بحكم عادل فاصل نخاف أن تسفّه أحلامنا * فنحمل الدّهر مع الخامل وقال بعض الحكماء : إيّاك وعزّة الغضب ، فإنها تفضي إلى ذلّة العذر . وقال الشاعر : وإذا ما اعترتك في الغضب العزّة * فاذكر تذلّل الاعتذار وقال غيره : زررنا على غير الفواحش قمصنا * ولم نستجز إلّا الّذي هو أجوز « 1 » وقال عبد الله بن مسلم بن محارب ، لهارون الرشيد ، يا أمير المؤمنين : أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك ، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي ، لما عفوت عني . فعفا عنه لمّا ذكّره قدرة الله تعالى عليه . وقال رجاء بن حيوة « 2 » لعبد الملك بن مروان في أسارى بن الأشعث : إنّ الله قد أعطاك ما تحبّ من الظّفر ، فأعط الله تعالى ما يحبّ من العفو . وقال المأمون لعمه إبراهيم بن المهدي « 3 » وكان مع أخيه عليه : إني شاورت في أمرك ، فأشاروا عليّ بقتلك ، إلا أنّي وجدت قدرك فوق ذنبك ، فكرهت القتل للازم حرمتك . فقال يا أمير المؤمنين : إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة ، إلا أنّك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث

--> ( 1 ) زرّ القميص : شد أزاره وأدخلها في العري . ( 2 ) رجاء بن حيوة : شيخ أهل الشام في عصره ، عالم وواعظ فصيح ، فلسطيني المولد ، كان وزير الخليفة سليمان بن عبد الملك وهو الذي أشار عليه باستخلاف عمر بن عبد العزيز ، وبقي ملازما لعمر في عهدي الإمارة والخلافة ، مات سنة 112 ه . ( الأعلام 3 / 17 ) . ( 3 ) إبراهيم بن المهدي : عم المأمون وقد سبقت ترجمته .