محمد بن وليد الطرطوشي
253
سراج الملوك
الباب التاسع والعشرون فيما يسكّن الغضب « 1 » فأول ذلك : أنّك إذا نظرت إلى تغيّر أشكالك « 2 » ، وتبدّل صورتك ، واحمرار وجهك ، وانتفاخ أوداجك ، وذهاب جنانك ، وسقط كلامك ، وفحش ما يخرج من فيك ، لأمسكت عن الغضب ، ولطالما كنت تستحي أن تتكلّم بين يدي الجلساء باليسير الجائز ، فعمدت تهدر بالكثير الفاحش ، ولو أن من غضب استذكر إذا صحا وسكن ، غرّر به « 3 » انقلاب صورته ، وتغيّر وجهه ، واضطراب شفتيه ، وارتعاد أطرافه ، وسقط كلامه ، وفحوى خطابه ، والتفاف لسانه ، وخفّة عقله ، وطيشه ، ووثوبه من مجلسه كأنّه نمر ، وسرعة التفاته يمينا وشمالا كأنه قرد ، وعدم فهمه لما يسمع ، وقلة التفاته إلى من يعظه وينصحه كأنه أحمق . ومن شؤم الغضب وعظيم بليّته : أنه قد يقتل النفوس ، ويسلب الرّوح ، وكان سبب موت مروان بن عبد الملك « 4 » أنه : وقع بينه وبين أخيه سليمان كلام ، فعجل عليه سليمان ، فقال : يا من يلحق أمّه ، ففتح فاه ليجيبه ، وإذا بجنبه عمر بن عبد العزيز ، فأمسك على فيه ، وردّ كلمته ، وقال : يا ابن عبد الملك ، أخوك ، وإمامك وله السّنّ عليك ، فقال يا أبا حفص : قتلتني . قال : وما صنعت بك ؟ قال : رددت في جوفي أحر من الجمر ، ومال لجنبه فمات . ولعمري إنه يزيد على الحمقى .
--> ( 1 ) في ( خ ) فيما يسكن فيه الغضب . ( 2 ) في ( خ ) تغير استكانتك أي هدوئك . ( 3 ) غرر به : عرضه للهلاك وفي ( خ ) غر به أي شق عليه . ( 4 ) مروان بن عبد الملك بن مروان الأموي : أمير من شجعان بني مروان وقد ذكره الزركلي في ( الأعلام 7 / 208 ) ، وذكر أن الذي تشاجر معه مروان هو الوليد بن عبد الملك وليس سليمان ( كما ذكر الطرطوشي ) وذكر : أنه حج مع أخيه الوليد أيام خلافته ، فتشاجرا وهما في وادي القرى وشتمه الوليد وكان معهما عمر بن عبد العزيز فوضع يده على فم مروان ومنعه من الرد على الوليد فقال له قتلتني رددت غيظي في جوفي قال فما انصرفوا من وادي القرى إلا وقد مات ودفنوه سنة 91 ه . وباعتقادي أن هذا الصحيح لأن سليمان بن عبد الملك لم يصبح إماما وخليفة إلا سنة 96 ه يوم وفاة الوليد ، واللّه أعلم .