محمد بن وليد الطرطوشي
248
سراج الملوك
ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير « 1 » : إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنى * أصبت حليما أو أصابك جاهل « 2 » ووصف أعرابي رجلا فقال : أحلم من فرخ طائر ، وقال أعرابيّ : إن الغضب عدوّ العقل ، ولذلك يحول بين صاحبه وبين العقل والفهم . وقال صعصعة بن صوحان : الغضب مقدحة العقل ، فربما أصلد وربّما أزند « 3 » ، وقال أعرابي : إذا جاء الغضب تسلّط العطب . وكان ابن عون « 4 » إذا غضب على أحد من أهله قال : سبحان الله ، بارك الله فيك . وقال الأصمعي : دفع أردشير إلى رجل كان يقوم على رأسه كتابا ، وقال له : إذا رأيتني اشتدّ غضب فادفعه إليّ ، فكان فيه : اسكن فلست بإله ، إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا ، وتصير عن قريب للدّود والتراب . وهذه السيرة أول من سنّها ملك تبّع « 5 » أمر أن يكتب في كتاب : اسكن فلست بإله ، وقال لصاحبه : إذا غضبت فأعرضه عليّ ، فكان إذا غضب عرضه عليه ، فإذا قرأه سكن غضبه . وقال معاوية : أفضل ما أعطى الرجل : العقل والحلم ، فإذا ذكّر ذكر ، وإذا أعطى شكر ، وإذا ابتلي صبر ، وإذا غضب كظم ، وإذا قدر عفا ، وإذا أساء استعفى « 6 » وإذا وعد أنجز .
--> ( 1 ) كعب بن زهير بن أبي سلمى من أشهر الشعراء في الجاهلية والإسلام لما ظهر الإسلام هجا النبي صلى اللّه عليه وسلم وشبب بنساء المسلمين فهدر النبي صلى اللّه عليه وسلم دمه ثم جاءه مستأمنا مسلما وأنشد لاميته التي مطلعها ( بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ) فعفا عنه النبي صلى اللّه عليه وسلم وخلع عليه بردته ، وتوفي سنة 26 ه . ( الأعلام 5 / 226 ) . ( 2 ) الخنى : الفحش من الكلام . ( 3 ) يقال : أصلد العود ؛ إذا لم ينقدح منه النار ، وأزند العود : إذا زاد اشتعاله . ( 4 ) عبد الله بن عون بن أرطبان ، شيخ أهل البصرة كان إماما في العلم والعبادة ومن حفاظ الحديث الثقات وأعلم أهل العراق بالسنة توفي سنة 151 ه . ( الأعلام 4 / 111 ) . ( 5 ) قوم تبع : قوم أنشئوا دولة في اليمن ( التبابعة ) بعد الدولة الحميرية ، أول ملوكهم الحارث وأخر ملوكهم أبو نواس صاحب نجران ، الذي اضطهد المسيحيين فغزا الأحباش بلاده إلى أن دخلها الإسلام . ( 6 ) استعفى : طلب العفو .