محمد بن وليد الطرطوشي
236
سراج الملوك
وروي أن الحجّاج بعث إلى المهلّب ، يستعجله حرب الأزارقة « 1 » ، فكتب إليه المهلب : إن من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من لا يبصره . * * * فصل في النصيحة : اعلموا : أنّ النّصح للمسلمين والخلائق أجمعين من سنن المرسلين ، قال الله تعالى إخبارا عن نوح عليه السلام : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [ هود : 34 ] . قال شعيب عليه السلام : وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ [ الأعراف : 93 ] وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ الأعراف : 97 ] وقال عليه السلام : [ إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة ربه ، كان له أجره مرتين ] « 2 » . وروي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ الدين النصيحة ، إنّ الدين النصيحة ، إن الدين النصيحة ، قيل لمن يا رسول الله ؟ قال لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامّتهم » « 3 » فالنّصح في الجملة : فعل الشيء الذي به الصّلاح ودفع الملامة ، مأخوذ من النّصاحة ، وهي السّلوك التي يخاط بها ، وتصغيرها نصيحة . تقول العرب : هذا قميص منصوح - أي مخيط - ونصحته نصحا : إذا خطته . ويختلف النّصح في الأشياء لاختلاف الأشياء ، فالنصح لله : هو وصفه بما هو أهله ، وتنزيهه عمّا ليس بأهل له عقدا وقولا ، والقيام بتعظيمه ، والخضوع له ظاهرا أو باطنا ، والرغبة في محابّه ، والتّباعد عن مساخطه ، وموالاة من أطاعه ، ومعاداة من عصاه ، والجهاد في ردّ العصاة إلى طاعته قولا وفعلا ، وإرادة بثّ جميع ما ذكرناه في عباده .
--> ( 1 ) الأزارقة : فئة من الخوارج بقي المهلب بن أبي صفرة يحاربهم لمدة تسعة عشر عاما إلى أن قضى عليهم ، والأزارقة نسبة إلى ( نافع بن الأزرق ) وزعيمهم قطري بن الفجاءة وقد سبقت ترجمته . ( 2 ) الحديث : رواه الإمام مالك والإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 2063 ) . ( 3 ) رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري ، ورواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 1968 ) .