محمد بن وليد الطرطوشي
224
سراج الملوك
والواهبين حقوقهم على المنتقمين ، فقال سبحانه : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [ النحل : 126 ] ، وهذا نص لا يحتمل التأويل ، وتحقيق القول في ذلك ، أن الانتصار عدل والعفو فضل ، وفضل الله أحب إلينا من عدله ، لأنه إن عدل علينا فاخذنا بحقه هلكنا ، وإن عفا عنا برحمته تخلصنا ، ولو كان العدل يسع الخلائق لما قرنه الله تعالى بالإحسان ، فلمّا علم أن العدل استقصاء ومناقشة ، وذلك مما تضيق عنده النفوس وتحرج له الصدور ، ناط الإحسان بالعدل ، فقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] ، وأيضا فإن الانتصار انتقام وعذاب بلا امتنان ، والعفو محبة من الله وإحسان ، وأيضا فإن الانتصار سيئة والعفو حسنة ، قال الله تعالى : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ [ فصلت : 34 ] والدليل على أن الانتصار سيئة قوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ، غير أنه إنما سميت سيئة ، لمّا كانت نتيجة سيئة ، إلا أنه لا يجوز الانتصار ، وهو كقول عمرو بن كلثوم التغلبي « 1 » . ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمّى الجزاء على الجهل جهلا ، وإن لم يكن في الحقيقة جهلا . وعن هذا روت عائشة رضي الله عنها قالت : « ما رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها قطّ ، غير أنه إذا انتهك شيء من محارم الله ، فلا يقوم لغضبه شيء » « 2 » . وروي أنه قال : « ينادي مناد يوم القيامة ، من كان له على الله أجر فليقم ، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا » « 3 » . فإن عفوت أيها الطالب ، كان أجرك على الله ، وإن لم تعف كان حقّك قبل من ظلمك . ولأن يكون أجرك في ضمان الله تعالى ، أوثق من أن يكون قبل
--> ( 1 ) عمرو بن كلثوم بن مالك : أبو الأسود ، من بني تغلب وأمه ليلى بنت المهلهل أخي كليب والزير سالم ، شاعر جاهلي ولد في بلاد ربيعة شمال الجزيرة ، ساد قومه وهو فتى ، وهو الذي قتل الملك عمرو بن هند ، وهذا البيت من معلقته الشهيرة التي مطلعها ( ألا هبي بصحنك فأصبحينا . . . . ) ويقال أن معلقته وصلت إلى نحو ألف بيت ، مات نحو سنة 40 قبل الهجرة . ( الأعلام 5 / 84 ) . ( 2 ) الحديث صحيح أخرجه الإمام الترمذي في الشمائل وهو عند الإمام مسلم بلفظ آخر مشابه ( المغني عن حمل الأسفار في الأسفار رقم 3143 ) . ( 3 ) ذكره ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 5 / 312 . ورواه الطبراني في مكارم الأخلاق ، والبيهقي في شعب الإيمان ، وأبو نعيم في الحلية ( تخريج الأحاديث والآثار 3 / 243 ) .