محمد بن وليد الطرطوشي

217

سراج الملوك

الباب الخامس والعشرون في الجلساء وآدابهم قال اللّه تعالى : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] ، وقال سبحانه : يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا [ الفرقان : 28 و 29 ] ، وينبغي للملك أن يجالس أهل العقل والأدب ، وذوي الرأي والحسب ، وذوي التجارب والعبر ، فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادّته . ولذلك حمدت آراء الشيوخ ، فقال القدماء : المشايخ أشجار الوقار ، وينابيع الأخبار ، لا يطيش لهم سهم ، ولا يسقط لهم وهم . وقالوا : عليك بآراء المشايخ ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطّبع ، فقد مرت على عيونهم وجوه العبر ، وتصدت لأسماعهم آثار الغير . وقالوا : رأي الشيخ خير من مشهد الغلام . وقال عبد الملك « 1 » لجلسائه : جنّبوني ثلاثا : لا تطروني ، فإني أعرف بنفسي منكم ، ولا تكذبوني ، فإنه لا رأي لكذوب ، ولا تغتابوا عندي أحدا ، فيفسد قلبي عليكم . وقال بعض الحكماء : كفى بالتجارب تأديبا ، وبتقلّب الأيام عظة . وقالوا : التجربة مرآة العقل ، والغرّة « 2 » ثمرة الجهل . وقد قال هرم بن قطبة « 3 » - وهو أحد حكماء العرب - حين تنافر « 4 » إليه

--> ( 1 ) عبد الملك : هو عبد الملك بن مروان ، الخليفة الأموي الخامس وقد سبقت ترجمته . ( 2 ) الغرة : أي الغرور . ( 3 ) هرم بن قطبة : بن سيار الفزاري ، من قضاة العرب في الجاهلية ، اسلم في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان من الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء وقد عاصر هرم بن سنان المشهور بجوده ، وقد مات سنة 13 ه أما هرم بن سنان فقد مات سنة 15 ه . ( الأعلام 8 / 83 ) . ( 4 ) تنافر الرجلان : تحاكما وتفاخرا .