محمد بن وليد الطرطوشي
21
سراج الملوك
أما هذا الكتاب : سراج الملوك ، فهو كتاب في السياسة والإدارة ، وصنّفه بعضهم ضمن علم آداب الملوك ، هدفه الأول وعظ الملوك والحكام ومعرفة الأخلاق والملكات التي يجب أن يتحلى بها الملوك لتنتظم دولتهم ، وشحذ الهمم لمقارعة الظلم والعدوان ، في عصر بدأت فيه علامات التراجع عن الخط السوي للإسلام تظهر للعيان ، كتاب يريد مصنفه أن يذكّر السلطان العبيدي أو الفاطمي ، وكل سلطان غيره ، أن راية الإسلام لن تهزم ، وأن من هزم من أمراء المسلمين على مر التاريخ ، إنما هزموا لأنهم كانوا يستظلون برايات المطامع والأهواء ، ويضربون بسيف البغي والاثم والعدوان . هذا الموضوع تناولته كتب عدة ، ومنها ( التبر المسبوك في نصائح الملوك - للغزالي ) المنشور على هامش طبعة هذا الكتاب الذي نحققه من خلالها . ومنها الأحكام السلطانية للماوردي ، والمنهج المسلوك في أخبار الملوك للشيزري ، ولكن سراج الملوك تجاوز في مضمونه كل تلك الكتب ، فلم يقتصر على الحكم والأمثال ، أو المواعظ وتهذيب السلوك ، أو القواعد الدستورية والأحكام السلطانية . . . إنه كتاب شامل ، جمع فيه مؤلفه بين معارف الأوائل وعلوم الأواخر ، في فنون الدين والأخلاق ، والسياسة والحكم ، والفلسفة والاجتماع أو العمران « 1 » والإدارة ، والقانون . . . ينتقي من كل عقد درّة ومن كل روض زهرة ، وضع فيه قواعد بقاء الملك وبناء الدول ، وكيفية المحافظة على ثباتها واستقرارها وحمايتها من السقوط والانهيار ، وأكد على مبادئ العدالة الاجتماعية بتطبيق العدل وقول الحق ، والأخذ على يد الظالم ونصرة المظلوم ، وما ينبغي أن يتحلى به العامة والخاصة من الأخلاق الحميدة ، والخصال النبيلة .
--> ( 1 ) اعترف ابن خلدون في مقدمته أن الطرطوشي سبقه في الحديث عن علم الاجتماع أو العمران وإن كان قد وجه إليه النقد بأنه لم يستوف المسائل ولم يوضح الأمور مثله ( مقدمة ابن خلدون ص 40 - دار القلم - بيروت - 1984 م ) .