محمد بن وليد الطرطوشي
18
سراج الملوك
ولما قتل الأفضل ، ولي الأمر بعده أبو عبد اللّه المأمون البطائحي « 1 » فأفرج عن الشيخ وأكرمه ، وعاد الطرطوشي إلى أهله ودروسه في الإسكندرية ، وفي هذه الأثناء عكف على تأليف هذا الكتاب الذي بين أيدينا ( سراج الملوك ) ليقدمه هدية للأمير الجديد ، كما ذكر ذلك في مقدمته .
--> ( 1 ) المأمون أبو عبد اللّه البطائحي : هو المأمون أبو عبد اللّه محمد بن أبي شجاع فاتك بن أبي الحسن مختار ، المعروف بالبطائحي ، وزير الدولة المصرية والدولة العبيدية ، على عهد الملك الآمر بأحكام اللّه الفاطمي . وهو الذي أهدى إليه أبو بكر الطرطوشي هذا الكتاب ، قال في خطبة الكتاب : « ولما رأيت الأجل المأمون ، تاج الخلافة ، عز الإسلام ، فخر الأنام ، نظام الدين ، خالصة أمير المؤمنين أبا عبد اللّه محمد الآمري ( نسبة إلى الآمر بأحكام اللّه الفاطمي ) أدام اللّه لإعزاز الدين نصره ، وأنفذ في العالمين بالحق أمره . . . فقد تفضّل اللّه تعالى به على المسلمين ، وتقلّد أمور الرعية . . . رغبت أن أخصّه بهذا الكتاب ، رجاء لطف اللّه تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 » انتهى كلامه . وأما ما كان من قصة هذا الرجل : فإن أباه كان جاسوسا للمصريين في العراق ، حيث كان يجيء بالأخبار للوزير الأفضل بن أمير الجيوش المصرية ( أحمد بن بدر الجمالي ) الذي وطّد دعائم ملك الآمر بأحكام الله ، ولما مات والده ولم يخلف شيئا وتزوجت أمه ، عاش المأمون فقيرا صعلوكا فعمل حمالا في السوق بمصر ودخل ذات مرة دار الأفضل مع الحمّالين ، فرآه الأفضل رشيقا حسن الحركة حلو الكلام ، فأعجب به وسأل عنه ، فقيل له هو ابن فلان ، فاستخدمه الأفضل مع الفرّاشين ، ثم أخذ يتقدم ويتميز حتى علت منزلته وارتفع قدره ، حتى أصبح وزيرا له . ولمّا فسد الأمر بين الآمر بأحكام اللّه وبين وزيره الأفضل ، وأراد وضع حد لحياته وفكّر في قتله ، أشار عليه جلساؤه أن يغري البطائحي بتدبير أمر قتله إذا ركب ، وتوليته مكانه ، وهكذا تمّ تدبير الأمر وقتل الأفضل في رمضان سنة 515 ه ، وتولى البطائحي الأمر بعده ، ولقّب بالمأمون ، فحكم البلاد وتحكّم في العباد . ومن صفاته أنه كان كريما جوادا بالأموال شهما مقداما ، وسار على نهج الأفضل في ترك معارضة أهل السنة في اعتقادهم ، وأكمل بناء جامع النيل الذي كان الأفضل قد شرع في عمارته قبل قتله . ولكنه لمّا جرى على سنن الأفضل في الاستبداد وسفك الدماء ، كثر الغمازون حوله وازدادت السعاية فيه عند الآمر بأحكام اللّه ، حتى توغر صدره عليه فقبض عليه وأمر بقتله وصلبه ، فقتل في رمضان عام 519 ه وصلب بظاهر القاهرة ، وقتل معه خمسة من إخوته ، وقد ذكر ابن الأثير - في كتاب الكامل - سبب قتله فقال : [ وأما سبب قتله : فإنه كان قد أرسل الأمير جعفر أخا الأمير ليقتل الآمر بأحكام اللّه ويجعله خليفة ، وتقررت القاعدة بينهما على ذلك ، فسمع بذلك أبو الحسن بن أبي أسامة ، وكان خصيصا بالآمر قريبا منه ، وكان قد ناله من الوزير أذى واطّراح ، فحضر عند الآمر وأعلمه الحال ، فقبض عليه وصلبه ، وهذا جزاء من قابل الإساءة بالإحسان ] - ( انظر : وفيات الأعيان لابن خلكان ج 5 ص 299 ، والكامل لابن الأثير ج 10 ص 519 - 629 ، وتاريخ ابن خلدون ج 4 ص 147 - 149 ، وسير أعلام النبلاء ج 9 ص 553 ) .