محمد بن وليد الطرطوشي

164

سراج الملوك

والمأمون في الظل ، فلما رجعنا وقعت الشمس أيضا عليّ ، فقال لي المأمون : تحوّل مكاني وأتحوّل مكانك ، حتى تكون في الظل كما كنت ، وأقيك الشمس كما وقيتنى ، فإن أول العدل أن يعدل الرجل على بطانته ، ثم الذين يلونهم ، حتى يبلغ العدل الطبقة السّفلى ، فعزم عليّ « 1 » ، فتحوّلت . وكان يقال : ليس شيء أبعد من بقاء ملك الغاصب . وقيل للإسكندر « 2 » : لو أكثرت من النساء حتى يكثر نسلك ويحيا ذكرك ، فقال : إنّما يحيي الذّكر الأفعال الجميلة ، والسيرة الحميدة ، ولا يحسن بمن يغلب الرجال أن تغلبه النساء . وقال الحكيم : من اتخذ العدل سنه كان له أحسن جنة « 3 » ، ومن استشعر حلة العدل ، استكمل زينة الفضل . وقال أبو عبد اللّه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن مسعود « 4 » : إن الإمام العادل ليسكت الأصوات عن اللّه ، وإن الإمام الجائر ، لتكثر منه الشكاية إلى اللّه تعالى . وقال الحكيم : لا يزال السلطان ممهلا ، حتى يتخطى إلى أركان العمارة ومباني الشريعة ، فحينئذ يريح الله منه . وقالوا : لا تظلم الضعفاء فتكون من لئام الأقوياء . وقال بعض الحكماء : - أمير بلا عدل : كغيم بلا مطر . - وعالم بلا ورع : كأرض بلا نبات . - وشابّ بلا توبة : كشجر بلا ثمر . - وغنىّ بلا سخاء : كقفل بلا مفتاح . - وفقير بلا صبر : كسراج بلا ضوء . - وامرأة بلا حياء : كطعام بلا ملح .

--> ( 1 ) عزم على : أقسم علىّ . ( 2 ) الإسكندر : سبقت ترجمته . ( 3 ) جنّة : وقاية . ( 4 ) أبو عبد اللّه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود الهذلي ابن أخي عبد اللّه بن مسعود صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفتى المدينة وأحد الفقهاء السبعة ، من أعلام التابعين ، مؤدب عمر بن عبد العزيز ، كان ثقة عالما فقيها شاعرا ، مات بالمدينة سنة 98 ه ( الأعلام : 4 / 195 ) .