محمد بن وليد الطرطوشي
160
سراج الملوك
الباب الحادي عشر في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ، ولا ثبات له دونها فأوّل الخصال وأحقّها بالرعاية العدل الذي هو قوام الملك ، ودوام الدّول ، وأسّ كل مملكة ، سواء كانت نبوية أو إصلاحية . اعلم أرشدك الله : أنّ الله تعالى أمر بالعدل ، ثم علم سبحانه أنّه ليس كل النفوس تصلح على العدل ، بل تطلب الإحسان ، وهو فوق العدل ، فقال : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [ النحل : 90 ] فلو وسع الخلق العدل ، ما قرن الله به الإحسان ، فمن لم يصلح حتى يزاد على العدل ، كيف يصلح إذا لم يبلغ به العدل ؟ والعدل ميزان الله تعالى في الأرض ، الذي به يؤخذ للضعيف من القوىّ ، وللمحقّ من المبطل ، وليس موضع الميزان بين الرعية فقط ، بل بين السلطان والرعية أيضا ، فمن أزال ميزان الله الذي وضعه من القيام بالقسط ، فقد تعرض لسخط الله تعالى . واعلم أيها الوالي : أن الملك بمنزلة رجل ، فرأسه أنت ، وقلبه وزيرك ، ويداه أعوانك ورجلاه رعيّتك ، وروحه عدلك ، وما بقاء جسد بلا روح . وإذا أردت ذروة العدل ، فاعلم أنّ الرعية ثلاثة أنفس : كبير ، وصغير ، وسط ، فاجعل كبيرهم أبا ، وأوسطهم أخا ، وصغيرهم ابنا ، فبرّ أباك ، وأكرم أخاك ، وارحم ابنك ، فإنك واصل بذلك إلى بر الله ، وكرامته ورحمته . واعلم أنّ عدل الملك ، يوجب الاجتماع علية ، وجوره يوجب الافتراق عنه . عدل الملك حياة رعيته : وفي منثور الحكم : سلطان جائر أربعين عاما ، خير من رعية مهملة ساعة واحدة من النهار . إذا عدل السلطان فيما قرب منه ، صلح له ما بعد عنه . فضل الملوك في الإعطاء ، وشرفها في العفو ، وعزها في العدل . عدّة السلطان ثلاثة : مشاورة النّصحاء ، وثبات نيّات الأعوان ، وإقامة سوق العدل ، أفضل الأزمنة أزمنة أئمة العدل .