محمد بن وليد الطرطوشي
155
سراج الملوك
الباب التاسع في بيان منزلة السلطان من الرعية اعلموا أنّ منزلة السلطان من الرّعية ، بمنزلة الرّوح من الجسد ، فإذا صفت الروح من الكدر سرت إلى الجوارح سليمة ، وسرت في جميع أجزاء الجسد ، فأمن الجسد من الغير ، واستقامت الجوارح والحواس ، وانتظم أمر الجسد ، وإن تكدّرت الروح أو فسد مزاجها ، فيا ويح الجسد ، فتسرى إلى الحواس والجوارح كدرة ، وهي منحرفة عن الاعتدال ، فإذا أخذ كل عضو وحاسّة بقسطه من الفساد ، مرضت الجوارح وتعطّلت ، فتعطّل نظام الجسد ، وجرّ إلى الفساد والهلاك . ومثال السلطان أيضا مثال النار ، ومثال الخلق مثال الخشب ، فما كان منها معتدلا لم يحتج إلى النّار ، وما كان منها متأوّدا « 1 » ، احتاج إلى النار ليقام أوده « 2 » ، فيعدل عوجه ، فإن أفرطت النار احترق الخشب قبل أن يستقيم أوده « 2 » ، وإن قصّرت النار ، لم يلن الخشب لقبول الاعتدال ، فيبقى متأوّدا ، وإذا كانت النار معتدلة اعتدل الخشب . كذلك السلطان في أطواره ، إن أفرط أهلك الخلق ، وإن فرّط لم يستقيموا ، وإن اعتدل اعتدلوا . ومثاله أيضا مثال عين خرّارة في أرض خوارة « 3 » ، فإن حلا مشربه ، وعذب طعمه ، وسلمت من الكدر والفساد أوصافه ، اختلج « 4 » في الأرض ، فابتلعته صافيا صرفا ، ثم شربته عروق الأشجار ، فاغتذت به كذلك ، فغلظت سوقها ، وفرعت أغصانها ، وامتدّت أفنانها ، ثم أخرجت أوراقها ، وأبرزت أزهارها ، ثم قذفت ثمارها ، فجاءت على أتم طبيعتها ، كبرا وطعما ولونا ورائحة ، فتقوّت بها العباد ، وأكلت حظوظها البهائم والحشرات ، وسقط عليها الطير ، فأحرز كلّ منها قوته ، واستقام النظام ، وإن كان في حواشي الأرض ما يدقّ « 5 » عن
--> ( 1 ) متأودا : معوجا ( الأود : الاعوجاج ) . ( 2 ) يستقيم أوده : يستقيم اعوجاجه . ( 3 ) العين الخرّارة : التي يتدفق ماؤها فيحدث خريرا أو صوتا قويّا . والأرض الخوّارة : الضعيفة . ( 4 ) اختلج : تحرك . ( 5 ) رق أو دق : أصبح رقيقا دقيقا غير غليظ .