محمد بن وليد الطرطوشي

147

سراج الملوك

الباب السادس في أنّ السلطان مع رعيّته مغبون غير غابن ، وخاسر غير رابح اعلموا أرشدكم الله : أنّ السلطان خطره عظيم ، وبليّته عامّة ، وقد يطرقه من الآفات ، ويحتوشه « 1 » من الأمور المهلكات ، ما يجب على كل ذي لب أن يستعيذ بالله ممّا حمله ، ويشكره على ما عصمه ، لا يهدأ فكره ، ولا تسكن خواطره ، ولا يصفو قلبه ، ولا يستقرّ لبّه ، الخلق في شغل عنه ، وهو مشغول بهم ، والرجل يخاف عدوا واحدا ، وهو يخاف ألف عدوّ ، والرجل يضيق بتدبير أهل بيته ، وإنالة صنعته « 2 » ، وتقدير معيشته ، وهو مدفوع لسياسة جميع أهل مملكته ، وكلما رتق فتقا « 3 » من حواشي مملكته انفتق آخر ، وكلما رمّ منها شعثا « 4 » رثّ آخر « 5 » وكلما قمع عدوا أرصد له أعداء ، إلى سائر ما يعانيه من أخلاق الناس ، ويقاسية من خصوماتهم ، ونصب الولاة والقضاة ، وبعث الجيوش وسدّ الثغور ، واستجباء الأموال ودفع المظالم ، ثم العجب العجاب ، أنّ له نفسا واحدة ، وأنّه يرزأ « 6 » من الدنيا قوتها ، كما يرزأ آحاد الرعايا ، ثم يسأل غدا عن جميعهم ولا يسألون عنه ، فيا لله ، ويا للعجب ، من رجل رضى أن ينال رغيفا ، ويحاسب منها « 7 » على ألف ألف رغيف ، ويأكل في معي « 8 » واحد ، ويحاسب على ألف ألف معي ، ويستمتع بنفس واحدة ، ويحاسب على آلاف آلاف الأنفس ، وعلى هذا النمط في جميع أحواله ، يحمل أثقالهم ، ويريح أسرارهم ، ويجاهد عدوّهم ، ويسدّ ثغورهم ، ويدافع

--> ( 1 ) ويحتوشه : يحيط به ويجتمع حوله . ( 2 ) في ( خ ) : إيالة ضيعته : أي تدبير أمرها . ( 3 ) رتق فتقا : أصلحه . ( 4 ) رمّ شعثهم : جمع شملهم . ( 5 ) رثّ الثوب : بلى وفسد . ( 6 ) يرزأ : يصيب أو يأخذ . ( 7 ) ويحاسب منها : أي من الدنيا . ( 8 ) المعى : مصران البطن .