محمد بن وليد الطرطوشي

145

سراج الملوك

وقال سفيان الثوري « 1 » لأبى جعفر المنصور « 2 » : « إني لأعلم رجلا ، إن صلح صلحت الأمّة « قال : ومن هو ؟ قال : « أنت » . وقال ابن عباس « 3 » : « إنّ ملكا من الملوك ، خرج يسير في مملكته مستخفيا ، فنزل على رجل له بقرة ، فراحت البقرة « 4 » ، فحلبت له قدر حلاب ثلاثين بقرة ، فعجب الملك لذلك ، وحدّث نفسه بأخذها ، فلما راحت عليه من الغد ، حلبت على النّصف مما حلبت بالأمس ، فقال له الملك : ما بال حلابها نقص ؟ أرعت في أرض غير مرعاها بالأمس ؟ قال : لا ، ولكن أظنّ ملكنا همّ بأخذها فنقص لبنها ، فإن الملك إذا ظلم ، أو همّ بالظلم ، ذهبت البركة ، فعاهد الملك الله سبحانه في نفسه ، أن لا يأخذها ، فراحت من الغد فحلبت حلاب ثلاثين بقرة ، فتاب الملك ، وعاهد ربه لأعدلنّ ما بقيت » . ومن المشهور في أرض المغرب ، أن السلطان بلغه ، أن امرأة لها حديقة فيها القصب الحلو ، وإنّ قصبة منها تعصر قدحا ، فعزم على أخذها منها ، ثم أتاها وسألها عن ذلك ، فقالت : نعم ، ثم عصرت قصبة فلم تبلغ نصف قدح ، فقال لها : أين الذي كان يقال ، فقالت : هو الذي بلغك ، إلّا أن يكون السّلطان قد عزم على أخذها منى فارتفعت بركتها ، فتاب السلطان وأخلص لله في نيته ، أن لا يأخذها ابدا ، ثم أمرها فعصرت فجاءت ملء القدح . وحدثني بعض الشيوخ ممن كان يروى الأخبار بمصر ، قال : كان بصعيد مصر نخلة تحمل عشرة أرادب « 5 » تمرا ، ولم يكن في ذلك الزمان نخلة تحمل نصف ذلك ، فغصبها السلطان ، فلم تحمل في ذلك العام شيئا ، ولا تمرة واحدة . قال لي شيخ من أشياخ الصعيد : أعرف هذه النخلة في الغربية ، تجنى عشرة أرادب ، ستين ويبة « 6 » وكان صاحبها يبيعها في سنين الغلاء كلّ ويبة بدينار .

--> ( 1 ) سفيان الثوري : محدّث ومن الأئمة المجتهدين ، ولد بالكوفة ، وتوفى بالبصرة سنة 161 ه . ( 2 ) أبو جعفر المنصور : الخليفة العباسي الثاني ، سبقت ترجمته . ( 3 ) ابن عباس : عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم رسول الله ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، حبر الأمة وفقيهها ومن أفاضل الصحابة ، مات بالطائف سنة 68 ه . ( 4 ) راحت : أي أوت إلى مراحها ومأواها . ( 5 ) الأردب : مكيال ضخم في مصر يساوى 24 صاعا . ( 6 ) الويبة : تعادل اثنان وعشرون أو أربعة وعشرون مدّا .