محمد بن وليد الطرطوشي

143

سراج الملوك

ومقامه عند الله كريما ، كما كان نفعه عميما « 1 » ، وعلى قدر عموم المنفعة تشرف الأعمال ، وعلى قدر النعمة تكون المنّة ، ألا ترى أنّ الأنبياء عليهم السلام ، أعمّ خلق الله نفعا ؟ فهم أجلّ خلق الله قدرا ، لأنّهم تعاطوا إصلاح الخلائق ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، كذلك سلطان الله في الأرض ، هو خلافة النبوّة في إصلاح الخلائق ، ودعائهم إلى فناء الرحمن وإقامة دينهم ، وتقويم أودهم « 2 » ، وليس فوق السلطان العادل منزلة إلا نبيّ مرسل ، أو ملك مقرّب ، فاتّخذ عظم قدر السلطان عندك حجّة لله تعالى على نفسك ، وناصحه على قدر ما نفعك ، وليس نفعه مقصورا على عجالة من حطام الدنيا يحبوك « 3 » بها ، ولكنّ صيانة جمجمتك ، وحفظ حريمك ، وحراسة مالك عن البغاة ، أعم نفعا لك إن عقلت « 4 » ، وليس للّه في الأرض سلطان إلا وقد أخذ عليه شرائط العدل ، ومواثيق الإنصاف ، وشرائع الإحسان ، وكما أنه ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة ، كذلك ليس دون رتبة السلطان الشّرير الجائر رتبة لشرير ، لأن شرّه يعم ، كما أن خير الأوّل يعم . وكما أن بالسلطان العادل ، تصلح البلاد والعباد ، وتنال الزّلفى إلى الله تعالى ، والفوز بجنة المأوى ، كذلك بالسلطان الجائر تفسد البلاد والعباد ، وتقترف المعاصي والآثام ، وتورث دار البوار « 5 » ، وذلك أنّ السلطان إذا عدل ، انتشر العدل في رعيته ، فأقاموا الوزن بالقسط ، وتعاطوا الحقّ فيما بينهم ، ولزموا قوانين العدل ، فمات الباطل ، وذهبت رسوم الجور ، وانتعشت قوانين الحق ، فأرسلت السماء غيثها ، وأخرجت الأرض بركاتها ، ونمت تجاراتهم ، وزكت زروعهم ، وتناسلت أنعامهم ، ودرّت أرزاقهم ، ورخصت أسعارهم ، وامتلأت أوعيتهم ، فواسى البخيل وأفضل الكريم « 6 » ، وقضيت الحقوق ، وأعيرت المواعين ، وتهادوا فضول الأطعمة والتحف ، فهان الحطام لكثرته ، وذلّ بعد عزّته ، فتماسكت على الناس مروءاتهم ، وانحفظت عليهم أديانهم .

--> ( 1 ) في ( خ ) كما كان نفعه للعباد عميما . ( 2 ) الأود : الكد والتعب ، يقال : قام بأود عائلته : أي قام باعالتها . ( 3 ) يحبوك بها : يعطيك إياها ، الحبوة : العطية . ( 4 ) عقلت : أدركت . ( 5 ) البوار : الهلاك ، دار البور : جهنم . ( 6 ) واسى البخيل : أي أطعم من ماله ، وأفضل الكريم : زاد في إحسانه .