محمد بن وليد الطرطوشي
139
سراج الملوك
وقال مقاتل « 1 » : كان سليمان بن داود ملكا ، ولكنه أراد بقوله : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي تسخير الرياح والطير . . . يدل علية ما بعده وهو قوله تعالى : فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ . . « 2 » [ ص : 36 ] ، إلى آخر الآية . وقيل : إنّ سليمان كان ملكه في خاتمه ، ولهذا ذهب ملكه بذهاب خاتمه ، فقال : لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، يعنى : اجعل ملكي في نفسي لا في خاتمي ، حتى لا يملكه أحد غيرى ، فإنّ إبليس لما أخذ خاتم سليمان ، تحوّل ملك سليمان إلى إبليس ، وقعد على كرسيّه يحكم فيه ، حتى أنكرت بنو إسرائيل أحكامه ، وكان قد ألقى عليه شبهه . وقال عمرو بن عثمان المكي « 3 » : إنما أراد به ملك النّفس وقهر الهوى ، يدلّ عليه ما روى سلامان الشعبانىّ قال : بلغني أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : أرأيتم سليمان وما أتاه الله من ملكه ، فإنّه لم يرفع طرفه إلى السماء تخشّعا لله تعالى حتى قبضة الله تعالى . وزاد غيره : إنما أراد ملك النفس وقهرها ، لئلا يفتتن بالمملكة ، ولهذا قدم سؤال المغفرة على طلب المملكة . وقال بعض الوعاظ : إنما أراد : حتى انتقم لآدم من إبليس وذرّيّته ، حيث كان سببا في إخراجه وذريّته من الجنة . وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « إن عفريتا من الجن جعل يتفلّت على البارحة ليقطع عليّ صلاتي ، وإن الله تعالى أمكنني منه فصرعته ، ولقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد ، حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم ، فذكرت قول سليمان : هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فردّه الله خاسئا » « 4 » .
--> ( 1 ) مقاتل : هو مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدي البلخي ، من أعلام المفسرين ، توفى بالبصرة سنة 150 ه ( الأعلام 7 / 281 ) . ( 2 ) وتمامها فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ . ( 3 ) عمرو بن عثمان المكي : أبو عبد الله ، صوفي عالم بالأصول ، من أهل مكة ، له مصنفات في التصوف ، توفى سنة 297 ه ( الأعلام 5 / 81 ، 82 ) . ( 4 ) هذا حديث متفق على صحته ، رواه البخاري في الأنبياء باب قول الله تعالى : وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ . . . ، وفي المساجد وفي بدء الخلق . . رواه مسلم في المساجد رقم ( 541 ) .