محمد بن وليد الطرطوشي
125
سراج الملوك
وقال الأصمعي « 1 » : حدثني رجل من أهل المدينة ، قال : سمعت محمد ابن إبراهيم يحدث قال : شهدت أبا جعفر « 2 » بالمدينة ، وهو ينظر فيما بين رجل من قريش ، وأهل بيت من المهاجرين ليسوا لقريش ، فقالوا لأبي جعفر : اجعل بيننا وبينهم ابن أبي ذئب « 3 » ، قال أبو جعفر لابن أبي ذئب : ما تقول في بني فلان ؟ قال : أشرار من أهل بيت أشرار ، قالوا : سله يا أمير المؤمنين عن الحسن بن يزيد - وكان عامله على المدينة - قال : ما تقول في الحسن ؟ قال : يأخذ بالإحنة « 4 » ويقضي بالهوى . فقال الحسن : واللّه يا أمير المؤمنين ، لو سألته عن نفسك لرماك بداهية ونعتك بشرّ . قال : ما تقول فيّ ، قال : اعفني يا أمير المؤمنين . قال : لا بدّ أن تقول ، قال : إنك لا تعدل في الرعية ، ولا تقسم بالسّويّة . فتغيّر وجه أبي جعفر ، فقام إبراهيم بن محمد بن علي - صاحب الموصل - وقال : طهّرني بدمه يا أمير المؤمنين . قال له ابن أبي ذئب : اقعد يا بني ، فليس في دم رجل يشهد أن لا إله اللّه طهور ، ثم تدارك ابن أبي ذئب الكلام ، فقال : دعنا يا أمير المؤمنين مما نحن فيه ، بلغني أنك رزقت ابنا صالحا بالعراق - يعني المهدي - قال : أما إن قلت ذلك ، إنّه ليصوم اليوم البعيد ما بين الطرفين « 5 » ، قال : ثم قام ابن أبي ذئب فخرج . فقال أبو جعفر : أما واللّه ما هو بمستوثق العقل ، ولقد قال بذات نفسه .
--> ( 1 ) الأصمعي : عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع الباهلي ، أبو سعيد الأصمعي ، راوية العرب وأحد أئمة العلم واللغة والشعر والبلدان ، نسبته إلى جده أصمع ، ولد وتوفي بالبصرة 122 - 216 ه ( الأعلام 4 / 162 ) . ( 2 ) أبو جعفر : أي أبو جعفر المنصور ، الخليفة العباسي ، سبقت ترجمته . ( 3 ) ابن أبي ذئب : محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ، من بني عامر بن لؤي من قريش ، تابعي ومن رواة الحديث ومن أهل المدينة المنورة ، توفي سنة 158 ه . ( الأعلام 6 / 189 ) . ( 4 ) الإحنة : تجمع على إحن وهي الحقد ، نقول : أحن فلان : أي أضمر العداوة وحقد . ( 5 ) في هذا القول إشارة إلى أن المهدي أصبح رجلا يصوم النهار الطويل ، والجدير بالذكر أن المهدي بن عبد اللّه المنصور هو الخليفة العباسي الثالث وقد ولد سنة 127 ه ، وحكم بعد أبيه سنة 158 ه ، وتوفي سنة 169 ه .