محمد بن وليد الطرطوشي

119

سراج الملوك

أطوع لله منك ، وأن الله تعالى أمر عباده بالشّكر ، وليس الشكر باللسان ، ولكنّه بالفعال والإحسان ، قال الله تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] . واعلم أنّ هذا الملك الذي أصبحت فيه إنما صار إليك بموت من كان قبلك ، وهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك ، فاتّق الله فيما خوّلك من هذه الأمّة ، فإنّ الله سائلك عن النقير والقطمير « 1 » ، قال الله تعالى : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [ الحجر : 92 ، 93 ] ، وقال تعالى : وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [ الأنبياء : 47 ] . واعلم أيها الملك : أن الله تعالى ، قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود عليهما السلام ، فسخّر له الإنس والجن والشياطين ، والطير والوحش والبهائم ، وسخّر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع ، فقال له : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ ص : 39 ] ، فوالله ما عدّها نعمة كما عددتموها ، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها ، بل خاف أن تكون استدراجا من الله تعالى ومكرا به ، فقال : هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [ النمل : 40 ] . ، فافتح الباب ، وسهّل الحجاب ، وانصر المظلوم ، أعانك الله على ما قلّدك ، وجعلك كهفا للملهوف ، وأمانا للخائف ، ثم أتممت المجلس بأن قلت : قد دوّخت البلاد شرقا وغربا ، فما اخترت مملكة تزوّجت فيها ، وولد لي فيها ، غير هذه المملكة ، ثم أنشدت شعرا : والنّاس أكيس من أن يحمدوا رجلا * حتى يروا عنده آثار إحسان « 2 » وكتب حكيم إلى حكيم : إني سائلك عن ثلاثة أشياء ، إن أجبت عنها صرت لك تلميذا : أيّ الناس أولى بالرحمة ؟ ومتى تضيع أمور الناس ؟ وبم تتلقّى النعمة من الله تعالى . فكتب إليه : أن أولى النّاس بالرّحمة ثلاثة : البرّ « 3 » يكون في سلطان الفاجر ، فهو الدهر حزين « 4 » لما يرى ويسمع ، والعاقل يكون في تدبير

--> ( 1 ) النقير : النقرة التي في ظهر النواة . القطمير : القشرة الرقيقة التي تغطي نواة التمر . الفتيل : ما يكون في شق النواة ( وكلها دلالة على الشيء الصغير ) . ( 2 ) أكيس : اسم تفضيل والعامة تقول : [ أكوس ] ، والكيّس هو الفطن والحسن الفهم والأدب . ( 3 ) البرّ والبار : هو الصادق الصالح والمحسن الكثير البرّ . ( 4 ) هو الدهر حزين : أي يكون طوال الدهر حزينا .