محمد بن وليد الطرطوشي

117

سراج الملوك

للرسول : قل له : إن الكيس بخاتمه « 1 » ، وقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » « 2 » . وقال وهب بن منبّه « 3 » : إن ملكا كان يفتن الناس ، ويحملهم على أكل لحم الخنزير ، فأتي برجل من أفضل أهل زمانه ، فأعظم الناس مكانه ، وهالهم أمره ، فراوده على أكل لحم الخنزير ، فلم يفعل ، فرقّ له صاحب شرطة الملك ، فقال له : أنا آتيك بجدي تذبحه بما يحلّ لك أكله ، فإذا دعا الملك بلحم خنزير أتيتك به ، ففعل ، ثم أتي به الملك ، فدعا بلحم الخنزير ، فأتى صاحب الشرطة بذلك الجدي ، فأمر به الملك أن يأكله ، فأبى أن يأكله ، فجعل صاحب الشرطة يغمزه أن يأكله ، فأبى أن يأكله ، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله ، فلما ذهب به قال : ما منعك أن تأكل وهو اللحم الذي ذبحته أنت ، أظننت أني جئت بغيره ؟ قال : لا ، قد علمت أنّه هو ، ولكنّي خفت أن يفتن الناس بي ، فإن أكرهوا على أكل لحم الخنزير ، قالوا : قد أكله فلان فيستنّ بي ، فأكون فتنة لهم ، فقتل رحمه الله . وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار « 4 » : يا كعب : خوّفنا ، قال : أو ليس فيكم كتاب الله وسنة رسوله ؟ قال : بلى يا كعب ، ولكن خوّفنا ، قال : يا أمير المؤمنين : اعمل عمل رجل ، لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملهم مما ترى . فنكّس عمر وأطرق مليا ثم أفاق ، فقال : يا كعب : خوّفنا ، فقال : يا أمير المؤمنين : لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ، ورجل بالمغرب ، لغلي دماغه حتى يسيل من حرّها . فنكس عمر ثم أفاق ، فقال : يا كعب ، زدنا ، فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إنّ جهنّم لتزفر زفرة يوم القيامة ، فلا يبقى ملك مقرّب ، ولا نبيّ مرسل ، إلا خرّ على ركبتيه ، حتى يخرّ إبراهيم - خليل الرحمن - على ركبتيه ، يقول : يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي .

--> ( 1 ) إن الكيس بخاتمه : أي أن الكيس الذي أرسلته وبه الدنانير ما زال مختوما ولم يفتح ، وفي ذلك دلالة على عدم رغبته مغادرة المدينة المنورة إلى بغداد . ( 2 ) جزء من حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن سفيان بن أبي زهير ( الجامع الصغير - رقم 3342 ) . ( 3 ) وهب بن منبه : التابعي المؤرخ ، سبقت ترجمته . ( وردت هذه الحكاية في البداية والنهاية 9 / 292 ، وحلية الأولياء 4 / 55 ) . ( 4 ) كعب الأحبار : هو أبو إسحاق ، تابعي ، وكان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن ، وأسلم في زمن أبي بكر ، وقدم المدينة في زمن عمر بن الخطاب ، ويعتبر من أقدم رواة الحديث ، قرّبه معاوية ، توفي في حمص سنة 32 ه . ( الأعلام 5 / 288 ) .