محمد بن وليد الطرطوشي

106

سراج الملوك

روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ليس للمؤمن أن يذلّ نفسه » « 1 » ، ثم نزل ففتح الباب ، ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج ، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة ، فجعلنا نجول عليه بأيدينا ، فسبقت كفّ الرّشيد كفّي إليه . فقال : أوّاه « 2 » من كفّ ما ألينها إن نجت غدا من عذاب اللّه تعالى . قال : فقلت في نفسي ليكلّمنّه الليلة بكلام نقي من قلب تقي . فقال : [ خذ لما جئناك له ] يرحمك اللّه . قال : وفيم جئت ؟ حملت على نفسك ، وجميع من معك حملوا عليك ، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم أن يتحملوا عنك شقصا « 3 » من ذنب ما فعلوا ، ولكان أشدّهم حبا لك أشدّهم هربا منك . ثم قال : إن عمر ابن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا [ سالم بن عبد اللّه « 4 » ومحمد بن كعب القرظي « 5 » ورجاء بن حيوة « 6 » ] ، فقال لهم : إني قد ابتليت بهذا البلاء ، فأشيروا عليّ - فعدّ الخلافة بلاء ، وعددتها أنت وأصحابك نعمة - فقال سالم ابن عبد الله : إن أردت النجاة غدا من عذاب الله ، فصم عن الدنيا ، وليكن إفطارك فيها الموت . وقال له محمد بن كعب : إن أردت النجاة من عذاب اللّه غدا فليكن كبير المسلمين لك أبا ، وأوسطهم عندك أخا ، وأصغرهم ولدا ، فبرّ أباك ، وارحم أخاك ، وتحنّن على ولدك . وقال له رجاء بن حيوة : إن أردت النجاة من عذاب اللّه غدا ، فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ، ثم متى شئت متّ .

--> ( 1 ) رواه الترمذي عن حذيفة بن اليمان بلفظ [ لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ] ، وقال : حديث غريب . كما رواه ( ابن ماجة في الفتن ) ، و ( الإمام أحمد في مسنده ج 5 / 405 ) . ( 2 ) أوّاه : كلمة تقال عند الشكاية والتوجع . ( 3 ) الشّقص : النصيب أو السهم . ( 4 ) سالم بن عبد اللّه : سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب . أحد فقهاء المدينة السبعة ، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم ، توفي سنة 106 ه . ( الأعلام 3 / 71 ) . ( 5 ) محمد بن كعب القرظي : أبو حمزة ، كان صالحا عابدا عالما بتفسير القرآن الكريم ، ومن أفاضل أهل المدينة ، وكانت وفاته سنة 108 ه ، وقيل : 117 ه ( تهذيب التهذيب لابن حجر 9 / 313 ) . ( 6 ) رجاء بن حيوة : رجاء بن حيوة بن جرول الكندي ، ولد في بيسان بفلسطين ، وأقبل على طلب العلم ، فكان راجح العقل وشيخ الشام في عصره ، وزّر لطائفة من خلفاء بني أمية ابتداء من عبد الملك ابن مروان ، وانتهاء بعمر بن عبد العزيز ، ولكن صلاته بسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز فاقت صلاته بمن سبقهما من الخلفاء ، توفي سنة 112 ه ( الأعلام 3 / 17 ) .