محمد بن وليد الطرطوشي
102
سراج الملوك
الباب الثاني في مقامات العلماء والصالحين عند الأمراء والسلاطين دخل الأحنف بن قيس « 1 » ، على معاوية « 2 » ، وعليه شملة « 3 » ، ومدرعة « 4 » صوف ، فلما مثل بين يديه ، اقتحمته عينه ، فأقبل عليه وقال : مه « 5 » ، فقال الأحنف : يا أمير المؤمنين ، أهل البصرة عدد يسير ، وعظم كسير ، مع تتابع من المحول « 6 » واتصال من الذّحول « 7 » ، فالمكثر منها قد أطرق « 8 » ، والمقلّ منها قد أملق « 9 » ، وبلغ به المخنق ، فإن رأى أمير المؤمنين أن ينعش الفقير ويجبر الكسير ، ويسهل العسير ، ويصفح عن الذّحول « 10 » ، ويداوي المحول « 11 » ، ويأمر بالعطاء ليكشف البلاء ، وتزول اللأواء « 12 » ، ألا وإن السيّد من يغمر ولا يخص « 13 » ، ويدعو الجفلى ولا يدعو النقرى « 14 » ، إن أحسن إليه شكر ، وإن أسيء إليه غفر ، ثم يكون من وراء الرعيّة عمادا يدفع عنهم الملمّات ، ويكشف عنهم المعضلات ، فقال معاوية : هاهنا يا أبا بحر ، ثم قرأ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ محمد : 30 ] « 15 » .
--> ( 1 ) الأحنف بن قيس : الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي ( أبو بحر ) ، سيد بني تميم في البصرة ، من دهاة العرب الفصحاء الشجعان وقادتهم في صدر الإسلام ، لقّب بالأحنف لحنف أو اعوجاج كان في رجله ، أسلم في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يره ، توفي سنة 72 ه ( الأعلام 1 / 276 ) . ( 2 ) معاوية بن أبي سفيان : سبقت ترجمته . ( 3 ) الشملة : كساء واسع يشتمل به . ( 4 ) المدرعة : ثوب أو جبة مشقوقة المقدّم . ( 5 ) مه : اسم فعل مبني على السكون بمعنى ( انكفف ) وقد يقال : مه . ( 6 ) المحول : من المحل وهو القحط واحتباس المطر . ( 7 ) الذحول : الأحقاد والثأرات ، يقال : طلب بذحله أي طلب بثأره ( لسان العرب ومختار الصحاح ، باب : ذحل ) . ( 8 ) أطرق : سكت . ( 9 ) أملق : أصبح فقيرا . ( 10 ) يصفح عن الذحول : أي يعطي الأمان للثائرين والهاربين . ( 11 ) يداوي المحول : يزيل آثار الجدب والقحط . ( 12 ) اللأواء : الشدة والمحنة . ( 13 ) يغمر ولا يخص : يعم عطاؤه وإحسانه الجميع . ( 14 ) يدعو الجفلى ولا يدعو النقرى : يدعو الناس كافة إلى طعامه دعوة عامة لا دعوة خاصة . ( 15 ) ومعنى الآية : لتعرفن هؤلاء القوم من أسلوب قولهم ومما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم .