الغزالي

9

ميزان العمل

ومعرفة الكواكب السماوية ، والآثار العلوية . ومعرفة أقسام الموجودات كلها . . وكيفية ترتب البعض منها على البعض ، وكيفية ارتباط البعض منها بالبعض . وكيفية ارتباطها بالأول الحق المقدس عن الارتباط بغيره . ومعرفة القيامة ، والحشر ، والنشر ، والجنة ، والنار ، والصراط ، والميزان . ومعرفة الجن والشياطين . وتحقق أن ما سبق إلى الأفهام العامية من ظاهر هذه الألفاظ حتى تخيلوا منها في اللّه تعالى أمورا ، من كونه على العرش ، وفوق العالم بالمكان ، وقبله بالزمان . وما اعتقدوه في الملائكة والشياطين ، وفي أحوال الآخرة من الجنة والنار ، هل هي كما اعتقدوه ، من غير تفاوت ؟ أو هي أمثلة وخيالات ، ولها معان سوى المفهوم من ظاهرها ؟ فتحقق هذه الأمور بالصدق والحقيقة الصافية عن الشك ورجم الظنون المنفكة عن المرية والتخمين هي العلوم النظرية المجردة عن العمل ] . هذا الأفق الذي تطلع في سمائه صورة الحقيقة التي يرسمها الغزالي على هذا النحو كان محط نظر الغزالي منذ وقت مبكر . ولقد دفع الغزالي إلى أن يبدأ تفكيره العلمي في وقت مبكر عما يتوقع من نظرائه ولداته : عاملان : أحدهما : محيط علمي يضطرب بمختلف الآراء وشتى النظرات . وثانيهما : شعور الغزالي المرهف ، ويقظته الفكرية الفطرية ، ونفرته من الزيف والباطل ، وتعشقه للحق والصواب فقد شب الغزالي في وسط إسلامي يموج بمختلف الآراء وشتى النزعات ، وكل فريق يزعم أنه الناجي ، وكل حزب بما لديهم فرحون . وهذه الآراء كلها لا يمكن أن تكون صوابا ؛ لأنها متعارضة متناقضة ، ولا يمكن أن يكون كل من الرأي ونقيضه ، صوابا . ثم إن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ( ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة . الناجية منها واحدة )