الغزالي

66

ميزان العمل

بل لكل صناعة أهل بلغوا فيها البراعة والسبق ، وإن كان الحمق والجهل قد يلزمهم في غيرها . فكلام الأوائل في الرياضيات برهاني . وفي الإلهيات تخمينى . لا يعرف ذلك إلا من جر به وخاض فيه . فهذا إذا قرر على هذا الذي اتخذ الكفر بالتقليد ، لم يقع منه موقع القبول ، بل تحمله غلبة الهوى وشهوة البطالة . وحب التكايس على أن يصر على تحسين الظن بهم في العلوم كلها . فهذه آفة عظيمة ؛ لأجلها يجب زجر كل من يخوض في تلك العلوم ، فإنها وإن لم تتعلق بأمر الدين ، لكن لما كانت من مبادئ علومهم يسرى إليه شرهم وشؤمهم ، فقل من يخوض فيه إلا وينخلع من الدين ، وينحل عن رأسه لجام التقوى ] . إن الثقة حين تتمكن من قلب امرئ ، يكون من الصعب انتزاعها منه . والفلاسفة وقد اخترعوا الرياضية قد ظفروا بثقة لاحد لها . ومن الصعب على المرء أن يرمى بالغباء والبلادة في أمر من الأمور ، من بلغ حد العبقرية والنبوغ في أمر أصعب منه . هذا كله حق . وعلى هذا الأساس ، لما تورط الفلاسفة في أمور الدين لم يك من السهل إقناع الناس بأنهم مخطئون فيما خالفوا فيه جمهور المسلمين . والأمر الذي يجب أن يتنبه له المفتونون بالفلسفة والفلاسفة ، أن أخطاء الفلاسفة في أمور الدين ، مما سيذكرها الغزالي بعد ، ليست راجعة إلى عباء ، أو إلى جهل ، ولكنها راجعة إلى إسراف في الثقة بالنفس . فالدين يتلقى من اللّه ، بوساطة الرسل ، وعلى الناس الامتثال والطاعة ، بعد أن يكونوا قد فهموه وأطمأنوا إلى صدقه وصوابه بالعقل الناضج والفكر السلم . فدوز العقل في الدين ، يأتي في المرحلة الثانية ، لا في المرحلة الأولى ، إن العقل يقوم في الدين بدور الفاهم لا بدور الخالق المخترع . أما في علوم الكون فلا بأس أن يقوم العقل بدور المخترع المكتشف ،