الغزالي

50

ميزان العمل

نفس الخطأ الذي وقع فيه الأقدمون ، عندما اتخذوا آلهة لكي يجدوا تفسيرا لما غمض عليهم ، وحددوا لكل إله قدرته ، وعينوا له وظيفته ، ودائرة تخصصه ، وعندما تقدمت العلوم وأمكن فهم كثير من الظواهر الغامضة ومعرفة القوانين التي تخضع لها ، لم يعد هؤلاء الناس في حاجة إلى الآلهة التي أقاموها . بل إن كثيرا من البشر أنكروا وجود اللّه لنفس هذا السبب . والواجب أن نتلمس قدرة اللّه في النظام الذي خلقه والقوانين التي أخضع لها جميع الظواهر والأشياء ، فقد يستطيع الإنسان أن يفسر ما كان غامضا عليه باكتشاف القوانين التي تحكمها . ولكن الإنسان عاجز عن أن يسن تلك القوانين ، فهي من صنع اللّه وحده . ولا يعقل الإنسان أكثر من أنه يكتشفها ثم يستخدمها في محاولة إدراك أسرار هذا الكون . وكل قانون يكتشفه الإنسان يزيده قربا من اللّه ، وقدرة على إدراكه . فتلك هي الآيات التي يتجلى بها اللّه علينا . وقد لا تكون هذه هي طريقته الوحيدة في التجلي ، فهو يتجلى أيضا في كتبه المقدسة مثلا . ومع ذلك فإن تجليه تعالى في آياته التي نشاهدها في هذه الكون تعتبر بالغة الأهمة بالنسبة لنا « 1 » ] . * * * لقد رأيت - في هذه المقتطفات التي اقتبسناها من كتاب « اللّه يتجلى في عصر العلم - رأى العلماء الطبيعيين - أي الباحثين في طبيعة محتويات الكون - في العالم ونشأته ومصيره ، وأنهم يؤكدون أن الكون ليس أزليّا ، وليس أبديّا ، وأنه مبتدع أبدعه إله قادر حكيم . ومن قدر على أن يبدع هذا الكون كله ، وهو فسيح عظيم لدرجة يكاد استغراق الفكر فيها يذهب بالألباب ، حتى إن : [ أقرب مجرات السماء منا تبعد عنا بنحو 000 ، 700 سبعمائة ألف سنة ضوئية .

--> ( 1 ) ص 103 .