الغزالي
33
ميزان العمل
والحكم بأنهم الخالدون في النار . على قولهم : [ أَ إِذا كُنَّا تُراباً ؟ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ؟ ] فإذا كان المنكرون - على هذا الذي تقرر - يسمون كفارا ، فهل معنى ذلك : أن الكفر له أكثر من سبب . فيكون المنكرون لوجود اللّه كفارا . ويكون المنكرون للبعث كفارا . أو أن الكافر ، هو من أنكر وجود اللّه فقط ، ولكن من أنكر البعث ، يكون مكذبا لرسل اللّه ، ولكتب اللّه ، فيما أخبروا به عن اللّه ، وعن قدرة اللّه ، ويكونون بذلك متحيفين لحقوق اللّه ، منكرين ما له من رسل ، وكتب ، وصفات ، وهذا في حكم الإنكار لوجوده ، فاستحقوا اسم الكفر . * * * وأيّاما كان فقضية إنكارهم للبعث مع إثباتهم لوجود اللّه ، قضية ساقطة ؛ لأنهم يتذرعون لهذا الإنكار بما حكاه الغزالي عنهم من أن : [ القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه ، وأنها تبطل ببطلان مزاجه ، ثم إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم ، كما زعموا ، فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود ] وهذه آراء لا يجاوز الأمر فيها دائرة الظنون . وما أغرب أمر هؤلاء القوم الذين [ أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة ، وعن عجائب الحيوان والنبات وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات فرأوا فيها من عجائب صنع اللّه تعالى وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بقادر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ] . كما يحكى الغزالي عنهم ؛ إذ كيف يعترفون بالإله ، ووجوده ، وقدرته ، وعلمه ، وحكمته ، إلى الحد الذي يقررون معه ، أنه مطلع على غايات الأمور ومقاصدها ، ثم يردون إخباره ، ويعطلون نصوصه وأحكامه ، استنادا إلى شبه واهية ، وآراء لا يجاوز الأمر فيها دائرة الظنون ؟