الغزالي

27

ميزان العمل

هما وظيفتان إذن لعلم الكلام يعترف بهما الغزالي . وإذا كانت هاتان الوظيفتان لم يقدما للغزالي عونا ينفعه في مشكلته ، فذلك ليس يمنع أن لهاتين الوظيفتين نفعا في حالات أخرى . أما الفلسفة فقد انتهى الغزالي من دراستها إلى هذه النتيجة : [ إني رأيتهم - يعنى الفلاسفة - أصنافا ورأيت علومهم أقساما . وهم على كثرة أصنافهم يلزمهم سمة الكفر والإلحاد . وإن كان : بين القدماء منهم والأقدمين وبين الأواخر منهم والأوائل تفاوت عظيم في البعد عن الحق ، والقرب منه ] لذلك بدأ الغزالي قصة البحث عن الحقيقة عند الفلاسفة ، بما يشعر بتقززه منها ونفوره ، واعتبارها علما فاسدا ، ليعطى بادئ ذي بدء فكرة سيئة عنها ليحذر الناس من غولها وغائلتها ، ويتابع الغزالي - في بداية قصة البحث عن الحقيقة عند الفلاسفة - حديثه الذي بدأه بما يؤكد فسادها ، وبأن فيها غورا تحته غائلة ، فيقول : [ ولم أر أحدا من علماء الإسلام صرف عنايته وهمته إلى ذلك - يعنى إلى دراسة الفلسفة دراسة عميقة تكشف عما تشتمل عليه من غور وغائلة - ولم يكن في كتب المتكلمين منهم حيث اشتغلوا بالرد عليهم ، إلا كلمات معقدة مبددة ظاهرة التناقض والفساد لا يظن الاغترار بها بغافل عامي ، فضلا عمن يدعى دقائق العلوم . فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمى في عماية ، فشمرت عن ساعد الجد ، في تحصيل ذلك العلم من الكتب بمجرد المطالعة ، من غير استعانة بأستاذ . وأقبلت على ذلك في أوقات فراغى ، من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية ، وأنا ممنو بالتدريس والإفادة لثلاثمائة نفر من الطلبة ببغداد . فأطلعنى اللّه سبحانه ، بمجرد المطالعة في هذه الأوقات المختلسة على منتهى علومهم في أقل من سنتين ، ثم لم أزل أواظب على التفكر فيه ، بعد فهمه ،