الغزالي

15

ميزان العمل

وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرا في مقدار دينار ، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار . هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه ، تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته ] هكذا بطلت ثقة الغزالي بالحواس وإذا كان العقل هو العامل في إفساد الثقة بالحواس ، فليس بعيدا أن تدور الدائرة على العقل ، وتكون الحواس هي العامل في إفساد الثقة به ، هكذا سترى فيما يقدمه لك الغزالي من عرض شيق يصور لك أن الحواس هي التي أفسدت عل العقل أمره ، كما أفسد العقل عليها أمرها . ولكن الواقع أن العقل هو نفسه الذي أفسد على الحواس أمرها ، وهو نفسه الذي أفسد على نفسه أمره . وفي الحق ان هذا ليس من العقل أمر إفساد ، لا للحواس ولا للعقل ، ولكنه تصحيح للأوضاع ، ووضع للأمور ونصابها ، وكشف عن القيمة الحقة لمنزلة الحواس ولمنزلة العقل ، وبيان لمدى سلطتهما ومقدار نفوذهما ، ومبلغ ضعفهما ، وللحد الذي يجب أن ينتهى إليه شوطهما . فقد رأيت ما كان من أمر الحواس ، وأنها عرضة للخطأ ، وأن لها حدّا تقف عنده فلا تستطيع أن تتجاوزه ، فهذه هي العين لما كلفناها رؤية البعيد عنها جدّا ، لم تستطع أن تدركه على حقيقته ، فأدركت الشمس التي هي أكبر من الأرض كثيرا جدّا ، أدركتها صغيرة جدّا إلى حد تكاد تنعدم نسبته إلى مقدارها الحقيقي ، إنها تراها في مقدار كرة القدم التي يلعب بها الأطفال . ثم تعال استمع إلى الغزالي مرة أخرى لترى إلى ما سوف يكون من أمر العقل ، قال الغزالي : [ قالت المحسوسات : بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات ، وقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني ، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي ، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ، إذا تجلى كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحسن في حكمه