الغزالي

11

ميزان العمل

محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، لا أغادر باطنيّا إلا وأحب أن أطلع عل بطانته ، ولا ظاهريّا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته . ولا فلسفيّا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ، ولا صوفيّا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته . وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبى وديدنى . من أول أمرى وريعان عمرى ، غريزة وفطرة من اللّه وضعتا في جبلتى ، لا باختبارى وحيلتي ، حتى انحلت عنى رابطة التقليد ، وانكسرت علىّ العقائد الموروثة على قرب عهد بسن الصبا « 1 » ) لا ريب أن إباء التقليد ، والتخلص من سلطة السابقين والتحرر من نفوذهم ، ووضع آرائهم المتقابلة المتباينة على بساط البحث لاختيار ما يثبت النقد صدقه وصحته شك أو بوادر شك . والشك - ككل الحالات النفسية - لا يظهر فجأة ، وإنما يدب إلى النفس دبيبا خفيّا ، حتى ربما لا تشعر به نفس صاحبه ، ثم لا يزال يقوى على الأيام شيئا فشيئا حتى يضايق النفس ويخنقها . كذلك قد يعمل عليه جملة أسباب يعاون بعضها عمل بعض . وقد يخفى بعض هذه الأسباب ويدق ، حتى لا يشعر به الباحثون . لذلك يختلف كثيرا حول تحديد بداية أزمات الشك ، وحول تحديد أسبابها ، ومن هنا اختلف الباحثون اختلافا كثيرا حول نزعة الشك التي انتابت الغزالي . فالأستاذ « كامل عياد » و « جميل صليبا » يذهبان إلى رأى . والأستاذ « دى بور » يذهب إلى رأى . والأستاذ « زويمر » يذهب إلى رأى .

--> ( 1 ) المنقذ من الضلال - إخراج الأستاذين جميل صليبا وكامل عياد - الطبعة الثالثة ص 66 ، 67 ، 68 ، 69 .