الراغب الأصفهاني
25
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
وجعل فيه ملك مدبّر وللملك وزير وصاحب بريد وأصحاب اخبار وخازن وترجمان وكاتب وفي البلد أخيار وأشرار . فصناعها هي القوى السبعة التي يقال لها الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والنامية والغاذية والمصورة والملك العقل ومنبعه من القلب . والوزير القوة المفكرة ومسكنها وسط الدماغ . وصاحب البريد القوة المتخيلة ومسكنها مقدم الدماغ . وأصحاب الأخبار الحواس الخمس ومسكنها الأعضاء الخمسة . والخازن القوة الحافظة ومسكنها خلف الدماغ . والترجمان القوة الناطقة وآلتها اللسان . والكاتب القوة الكاتبة وآلتها اليد وسكانها الأخيار والأشرار هي القوى التي منها الأخلاق الجميلة والأخلاق القبيحة وكما أن الوالي إذا تزكى وساس الناس بسياسة اللّه صار ظل اللّه في الأرض كما روي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : السلطان ظل اللّه في الأرض ويجب على الكافة طاعته كما قال اللّه تعالى ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) كذلك متى جعل العقل سائسا وجب على سائر قوى النفس أن تطيعه . وكما أن اللّه تعالى جعل الناس متفاوتين كما نبه اللّه تعالى عليه بقوله ( وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا ) كذلك جعل قوى النفس متفاوتة وجعل من حق كل واحدة أن تكون داخلة في سلطان ما فوقها ومتأمرة على ما دونها . فحق القوة الشهوانية أن تكون مؤتمرة للقوة الغضبية وحق القوة الغضبية أن تكون مؤتمرة للقوة العاقلة وحق القوة العاقلة أن تكون مستضيئة بنور الشرع ومؤتمرة لمراسمه حتى تصير هذه القوى متظاهرة غير متعادية كما قال اللّه تعالى ( وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) وكما لا ينفك أشرار العالم من أن يطلبوا في العالم الفساد ويعادوا الأخيار كما قال تعالى ( وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ