الراغب الأصفهاني
10
تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين
الذين اثكلهم « 1 » هذه المنزلة فقال فيهم ( ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ للمضلين عضدا ) والرابع : انه يعرف بمعرفة روحه العالم الروحاني وبقاءه وبمعرفة جسده العالم الجسداني وفناءه فيعرف خسة الفانيات وشرف الباقيات الصالحات والخامس : ان من عرف نفسه عرف أعداءه الكامنة فيها المشار إليها بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : اعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك فيستعيذ منها . كما قال عليه الصلاة والسّلام : اللهم الهمني رشدي وأعذني من شر نفسي . وقال : لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك . ومن عرف أعداءه الكامنة ومكامنها وكيفية انبعاثها أحسن ان يحترز منها وان يجاهدها فيستحق ما وعد اللّه به المجاهدين في سبيله ومن لم يعرفها فجدير ان يتراءى له عدوه الذي هو الهوى بصورة العقل فيتصور له الباطل بصورة الحق وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : الهوى شيطان بل قال هو إله يعبد من دون اللّه . وقد روي أنه قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ما عبد في الأرض إله ابغض إلى اللّه من الهوى ثم تلا ( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) والسادس : ان من عرف نفسه عرف ان يسوسها ومن أحسن ان يسوس نفسه أحسن ان يسوس العالم فيصير من خلفاء اللّه المذكورين في قوله تعالى ( وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ) ومن الملوك المذكورين في قوله تعالى ( وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً ) والسابع : ان من عرفها لم يجد عيبا في أحد إلا رآه موجودا في ذاته إما ظاهرا منبعثا أو كامنا فيه ككمون النار في الحجر فلا يكون همازا ولمازا
--> ( 1 ) الثكلى المرأة التي فقدت ولدها واثكلها اللّه جعلها ثكلى