الراغب الأصفهاني
80
الذريعة إلى مكارم الشريعة
بالذكر القلب - وهو أحد الطرفين - والسمع والبصر وهو الطرف الآخر . ولذلك عظم اللّه المنّة على الإنسان بإعطائه إياه هذه الثلاثة ، وحمد من استعملها ، وذم من أهملها فقال ( سبحانه ) : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ « 1 » ، وقال في ذم من لا ينتفع بها : لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ « 2 » ، وقال : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ « 3 » أي لا يفهمون . المعنى لا أنهم لا « 4 » يسمعون الأصوات أو لا يبصرون الذوات ، وجعلهم بكما من حيث أنهم لا يوردون معنى مستنبطا بالفكر مدركا بالعقل . واعلم أن السمع والبصر كالأخوين يخدم كل واحد منهما صاحبه في إدراكه ، فقد ينوب السمع عن البصر في إبلاغ القلب بما يأخذه عن اللفظ فيدرك في ساعة ما لا يدركه البصر في برهة ، وينوب البصر عن السمع في إبلاغ القلب بمطالعة الكتب ما لا يدركه السمع في مدة سيما إذا كان المخاطب ناقص العبارة ، أو غير متثبت في الكلام ، أو دق المعنى وغمض عن الإفهام « 5 » .
--> ( 1 ) النحل / 78 . ( 2 ) الأعراف / 179 . ( 3 ) البقرة / 171 . ( 4 ) في ط أنهم يسمعون . بحذف « لا » والحذف هنا يخل بالمعنى المقصود كما تدل العبارة ( 5 ) عن الإفهام زائدة من أ ، د . ولزيادتها معنى بجوار غمض .