الراغب الأصفهاني

59

الذريعة إلى مكارم الشريعة

وإنه باكتساب المكرمة يستحق الإنسان أن يوصف بكونه خليفة اللّه « 1 » المعنى بقوله عز وجل إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً « 2 » ، وبقوله تعالى : وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ « 3 » وقوله وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ « 4 » . وأشرت أن خلافة اللّه عز وجل لا تصح إلا بطهارة النفس ، كما أن أشرف العبادات لا تصح إلا بطهارة الجسم . وقد استخرت اللّه الآن ، وعملت في ذلك كتابا ليكون ذريعة إلى مكارم الشريعة ، وبينت كيف يصل الإنسان إلى منزلة العبودية التي جعلها اللّه تعالى شرفا للأتقياء ، وكيف يترقى عنها إذا وصلها إلى منزلة الخلافة « 5 » التي جعلها اللّه تعالى شرفا للصديقين والشهداء . فبالجمع بين أحكام الشرع ومكارمه علما ، وإبرازهما عملا يكتسب العلا ، ويتم التقوى ، ويبلغ إلى جنة المأوى . ورغبني أيّها الأخ الفاضل - وفقك اللّه وأرشدك « 6 » ، وأعاذك من شر

--> ( 1 ) تحرج كثير من العلماء من استعمال خليفة اللّه ، ووجهوا معني الخلافة إلي الحكم بالعدل وأن يخلف الإنسان غيره في حمل الرسالة ، بل وينعي ابن تيمية علي ابن عربي فهمه للخلافة بأنها خلافة عن اللّه ، ويرد ذلك لأنه ينافي قيومية اللّه سبحانه وينفي عنه كثيرا من صفاته العلي . انظر الفخر الرازي في تفسيره 2 / 165 . طبعة طهران ، والفتاوي لابن تيمية / 35 / 42 / 46 طبعة دار الإفتاء 1398 ه . ( 2 ) البقرة / 30 . ( 3 ) الأعراف / 129 ( 4 ) الأنعام / 165 ( 5 ) نري أن الخلافة ليست ترقيا عن العبودية بل هي تحقيق لها بما تقتضيه من حمل للأمانة ولا يستحق وصف ( عباد الرحمن / عبادي ) إلا من اضطلع بمهام الخلافة . ( 6 ) هي هكذا في المخطوطتين أ ، د ، وفي المطبوعة « وأرشدك » .