الراغب الأصفهاني

421

الذريعة إلى مكارم الشريعة

ما يستحق به من الأفعال اللوم وما لا يستحق به ذلك الأفعال ضربان : إرادي وغير إرادي . والإرادي ضربان : ضرب عن روية ، وضرب لا عن روية . فالذي عن روية ضربان : أحدهما الذي عن روية تظن في غاية الشرف ، وهو ما يكون بحسب النفس الناطقة ، ويسمى الاختيار . وهو طلب ما هو خير له ، ويستحق به أبدا الحمد إذا كان على الحقيقة اختيارا . والثاني عن روية فيما ليس هو في غاية الشرف ، وذلك إما بحسب القوة الغضبية : وهو دفع ما يضره ، وإما بحسب القوة الشهوية . وكل منهما إذا كان بقدر ما يوجبه العقل يستحق به الحمد ، وإذا كان زائدا أو ناقصا عما يوجبه العقل يستحق به الذم . والإرادي الذي عن غير روية واختيار ضربان : أحدهما ما يفعله في نفسه . والثاني ما يفعله بغيره . وكل واحد منهما ضربان : نفع وضر . فما قصد به نفع نفسه فقد يستحق به الحمد وما قصد به نفع غيره فقد يستحق به الحمد والشكر معا ، وما قصد به ضر نفسه فقد يستحق به الذم ، وما قصد به ضر غيره فقد يستحق به الذم والعتب عليه . وغير الإرادي ثلاثة أضرب : الضرب الأول أن يكون قسريا ، وهو : ما يكون مبدؤه من خارج ولا يكون من أربابه معونة بوجه ، كمن دفعته ريح فسقط على آنية فكسرها ، فلا ملامة فيه بوجه . والثاني أن يكون إلجائيا كمن أكرهه سلطان على أن يفعل فعلا ما ، وهذا متى كان الملجأ إليه قبيحا جدا ، والسبب الملجىء إليه خفيفا يستحق مرتكبه الذم ، كمن يضرب ليقتل إنسانا