الراغب الأصفهاني

31

الذريعة إلى مكارم الشريعة

لأن الأمر لا يخص واحدا من عامة الناس ، بل يخص عالما يملأ دنيا عصره ، فكيف يقبل أن يكون فكره ومذهبه فيه مجهولين إلى حد الظن الذي يستوي فيه هنا العلماء والعامة . أما أن هذه التهمة ألصقت بالراغب لاهتمامه بالعقل في كتاباته ، ونفي الصفات عن اللّه كما يقول البعض « 1 » فهذا أمر يحتاج إلى وقفة ولو موجزة ، فنقول وباللّه التوفيق : أولا لا يختلف اثنان في أن العقل قيمة كبرى ، حتى فهم لدى البعض أن الإنسان كرم من أجل العقل لا بالعقل ، ولعل هذه القيمة الكبرى للعقل هي التي جعلت الإمام القرطبي يعتبر أن التفضيل الذي يعول عليه في قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ إنما يكون بالعقل الذي به تتم معرفة اللّه سبحانه ، وتفهم كلامه ، وتصديق رسله ، ويذكر هذه الأهمية مقرونة بأنها عمدة التكليف ، أقول لعل شيوع هذه الأهمية هو الذي حدا بالإمام القرطبي إلى هذا الفهم مع أن اللفظ القرآني لا يمنع التفضيل بغير العقل كما حكى القرطبي عن الأئمة المفسرين « 2 » . ويقول الأستاذ العقاد : وإذا كان العقل وازعا يعقل صاحبه عن الشر ويقلب النظر ويوازن بين الأشياء ، وهو كذلك رشد يميز بين الهداية والضلال ، وأخذ من الماضي للحاضر يعي ويتدبر ، أقول وإذا كان كذلك فإنه موصول بكل حجة من حجج التكليف ، وكل أمر بمعروف ونهي عن منكر .

--> ( 1 ) عباس محمد أحمد / الراغب ومنهجه في المفردات / 79 . ( 2 ) القرطبي / تفسير القرطبي / المجلد الخامس الإسراء 293 .