الراغب الأصفهاني
416
الذريعة إلى مكارم الشريعة
الفصل السابع : في ذكر الأفعال في أنواع الأفعال الأفعال ضربان : إلهي ، وإنساني . فالإلهي أربعة أضرب : إبداع ، وتكوين ، وتربية ، وإحالة . وجميع ذلك يسمى خلقا من حيث كان وجود كل واحد بمقدار ، والخلق في الأصل : التقدير المستقيم . فالأول الإبداع : وهو إيجاد الشيء دفعة لا عن موجود ، ولا بترتيب ، ولا عن نقص إلى كمال ، وليس ذلك إلا للباري سبحانه وتعالى ، وإن كانت العرب قد تستعمل الإبداع فيمن يحفر بئرا في مكان لم يحفر فيه من قبل ، وفيمن نسج شعرا أو أورد كلاما لم ينسج على منواله من قبل . والثاني التكوين : وهو إيجاد الشيء عن عدم بترتيب ، ومن نقص إلى كمال ، والمتكلمون قد يستعملون التكوين في موضع الإبداع ، ولما هفوا عن حقيقة التكوين أنكروا واستبشعوا قول من قال : السماء ليست بمكونة ، وقدروا أنه يقول : ليست بمبدعة ولا مخلوقة ، وإنما أراد هذا القائل فيما ذكر أصحابه ودل عليه كلامه أن اللّه تعالى أبدعها إبداعا كما قال : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » ، ولم يخلقها خلقة ناقصة في ابتداء نشأتها ثم كملها شيئا فشيئا كالإنسان والحيوان والنبات « 2 » .
--> ( 1 ) البقرة / 117 . ( 2 ) التكوين مصطلح فلسفي قال فيه المعجم الفلسفي « التكوين هو الإحداث ، والتعبير والتخليق ، والاختراع ، والصنع ، والتصوير . ويأتي كثيرا في كتب الفلسفة القديمة بمعنى الكون القابل للفساد . فتكوين الشيء هو الفعل الذي أحدث به ذلك الشيء حتى وصل إلى حالته -