الراغب الأصفهاني

406

الذريعة إلى مكارم الشريعة

تناول أعراض الدنيا . وكما أن محال أن يسلك الأعمى طريقا وعرا يسلكه البصير من غير قائد إذ هو غير آمن من أن يقع في وهده فكذلك محال أن يسلك الجاهل مستبدا برأيه في تناول أعراض الدنيا طريقا سلكه الحكيم العالم إذ هو غير آمن من أن يقع في هاوية . وأيضا فالدنيا غانية رعناء كما قال : شيم الغانيات فيها فلا أد * ري أفي الغانيات تحسب أم لا وكما أن الغانية لا يجوز أن يدخل عليها ويخلو بها من الرجال إلا من كان مجبوبا يؤمن عليها كذلك الدنيا لا يجوز أن يتمكن منها إلا المقطوع عنها بالعفة والزهد لئلا تغره ، وذلك كأمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه حيث قال : ( يا حمراء يا بيضاء ، احمري وابيضي ، وغري غيري ، هذا جنائي وجناؤه فيه ، إذ كل جان يده إلى فيه ) « 1 » . ومن تصور ذلك علم أن اللّه تعالى قد أباح الدنيا كلها لأوليائه ، علما منهم أنهم لا يتناولونها إلا على ما يجب وكما يجب ، وإذا تناولوها وضعوها كما يجب وحيث ما يجب ، وعلى هذا قال : إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ « 2 » ، وقال تعالى : أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ « 3 » ، إلى غير ذلك من الآيات التي تقدم ذكرها .

--> ( 1 ) العبارة منسوبة إلى الإمام على من غير « هذا جنائي إلى آخر ما ذكر هنا » لكن جاءت وفيها هذه العبارات في كنز العمال / 13 / 182 . انظر / نهج البلاغة / 374 . كشف الخفاء / 2 / 383 . الأسرار المرفوعة / 391 ، 392 . الشعراني / الطبقات / 1 / 20 . ( 2 ) الأعراف / 128 . ( 3 ) الأنبياء / 105 .