الراغب الأصفهاني
403
الذريعة إلى مكارم الشريعة
فأحب الناس إليه أنفعهم لعياله » « 1 » . ولأنه كما يقبح أن يشتغل الإنسان بأمر بدنه ودنياه لأنه يصير مضاد اللّه في إبطال وتضييع أحد جزئيه المركب عليه وكذلك يقبح أن يضيع الجزء الآخر الذي هو بدنه ودنياه ، لأنه يصير مضاد اللّه تعالى في إبطال ما أوجده وأتقنه . فإن قيل فقد قيل : الناس ثلاثة : رجل شغله معاده عن معاشه وتلك درجة الفائزين ، ورجل شغله معاشه عن معاده وتلك درجة الهالكين . ورجل مشتغل بهما وتلك درجة المخاطرين . قال وقد علم أن الفائز أحسن حالا من المخاطر . قيل له : إن المنازل الرفيعة لا تنفك عن المخاطرة ، ولم يقصد هذا القائل بذلك إلى أن يفضل الفائز ، وإنما خوف أن يترشح لخلافة اللّه من هو قاصر عنها ، ويقوى ذلك ما روي أن بعض أولاد الملوك ممن تقوى في العلم والحكمة اعتزل الملك وزهد في الدنيا ، فكتب إليه بعض الملوك قد اعتزلت ما نحن فيه فإن علمت أن ما اخترته من ذلك أفضل فعرفنا لنذر ما نحن فيه ، ولا تحسبن أني أقبل منك قولا بلا حجة . فكتب إليه : اعلم أنا عبيد لملك رحيم ، بعثنا إلى حرب عدو ، وعرفنا أن المقصد من ذلك قهره أو السلامة منه ، فلما قربوا من الزحف صاروا فرقا ثلاثة :
--> ( 1 ) رواه الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن ابن مسعود مرفوعا ، ورواه أخرون عن أنس مرفوعا ، ولفظ الطبراني عن ابن مسعود « فأحبهم إلى اللّه أنفعهم لعياله » . قال النووي في فتاويه : حديث ضعيف لأن فيه ابن عطية ضعيف باتفاق الأئمة ، وكذا قال ابن حجر المكي في فتاواه الحديثية . وقال أبو عبد اللّه السلمي في تخريجه : وله عدة طرق يقوي بعضها بعضا ، كشف الخفاء / 1 / 381 حديث / 1220 .