الراغب الأصفهاني

398

الذريعة إلى مكارم الشريعة

تفاوت أحوال المتناولين لأعراض الدنيا طلب الدنيا وتناولها على ثلاثة أضرب : فالأول : من يتناولها على أي وجه اتفق ، راكنا إلى المال غير متفكر في المآل ، وإياه قصد تبارك وتعالى بقوله في ذم من ذمه : يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ « 1 » . والثاني : من يتناولها على الوجه الذي يجب تناولها عليه ، وذلك أن يقتصر على ما لا يمكن التبلغ بأقل منه ، من الوجه الذي يجب كما يجب . ولوجوب تناول هذا القدر قيل : مباحات الصوفية فريضة ، وفريضتهم مباحة . بمعنى أنه لا يقدم على تناول مباح حتى يضطر إليه ، فيتحتم تناوله عليه ، فيصير ما كان مباحا تناوله فرضا عليه ، ويفعل من الواجبات فوق ما يجب عليه ، مسارعا إليه حتى يصير حكمها حكم النوافل « 2 » . وقد روي ( من طلب رزقه على ما سن له فهو في جهاد ) « 3 » ، وقال عليه السّلام لابن مسعود : « إن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى اللقمة يضعها في في امرأته » « 4 » ، ولم يعن أن كل أحد على كل حال يؤجر في ذلك ، وإنما أراد تخصيص المؤمنين الذين يراعون حكم اللّه في مكاسبهم وإنفاقهم ويتحرون في ذلك عبادة اللّه . والضرب الثالث : من يتوسع في تناولها ويراعي « 5 » فيها ما يجب ، لكن

--> ( 1 ) الهمزة / 3 . ( 2 ) من « فيتحتم تناوله عليه » إلى « حكم النوافل » سقط من ط . ( 3 ) لم أقف عليه في مظانه ، ويظل كلاما حتى يثبت عند أهل الحديث رأي فيه . ( 4 ) رواية البخاري نفس المعنى مع اختلاف يسير في اللفظ عمدة القاري / 1 / 319 . ( 5 ) في ط « ولا يراعى » وهي ضد المعنى المقصود .