الراغب الأصفهاني

396

الذريعة إلى مكارم الشريعة

تحقيق كون المال في أيدي الناس إن اللّه تعالى أوجد أعراض الدنيا بلغة فاتخذها الناس عقدة ، وجعل الدنيا منزلا وممرا فصيروها موطنا ومقرا ، إلا قليلا منهم فإنهم أنزلوها حيث أنزلها اللّه تعالى ، وهم الذين وصفهم بقوله : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ « 1 » ، تاجروا بها ربّهم كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . . . إلى قوله : تَعْلَمُونَ « 2 » . فأعراض الدنيا عارية في أيدي الناس مستردة ، كما قيل : وما المال والأهلون إلا ودائع * ولا بد يوما أن ترد الودائع وهي من وجه منيحة : منحت الإنسان لينتفع بها مدة ، ويذرها لينتفع بها من بعده . ومن وجه وديعة في يده : رخص له في استعمالها والانتفاع بها بعد أن لا يسرف فيها . لكن الإنسان لجهله ونسيانه لما عهد إليه بقوله : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً « 3 » ، اغتر بها فظن أنها قد جعلت له هبة مؤبدة ، فركن إليها واعتمد عليها ، ولم يؤد أمانة اللّه تعالى فيها ، ثم لما طولب بردها تمنع منه وضجر ، ولم ينزع عنها إلا بنزع روحه أو كسر يده وبعضهم - وهم الأقلون - حفظوا ما عهد إليهم فتناولوها تناول العارية والمنيحة والوديعة ، فأدوا فيها الأمانة ، وعلموا أنها مسترجعة ، فلما استردت منهم لم يعضوا ولم يجزعوا ، وردوها شاكرين لما نالوه منها ،

--> ( 1 ) سبأ / 13 . ( 2 ) الصف / 10 ، 11 . ( 3 ) طه / 115 .