الراغب الأصفهاني

395

الذريعة إلى مكارم الشريعة

سبب إخفاق العاقل وإنجاح الجاهل الحكمة تقتضي أن يكون العاقل الحكيم في أكثر الأحوال مقلا ، وذلك أنه لا يأخذ المال إلا كما يجب من الوجه الذي يجب ، وفي الوقت الذي يجب ، ثم إذا أخذه وتناوله لم يدخره عن مكرمة تعن له . والجاهل أسهل عليه الجمع من حيث لا يبالي فيما يتناوله بارتكاب محظور واستباحة محجور . واستنزال الناس عما في أيديهم بالمكر ، ومساعدتهم على ارتكاب الشر طمعا في نفعهم له وكثيرا ما ترى من هم في جملة الموصوفين بقوله تعالى : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ « 1 » شاكين لبختهم ، فبعضهم يغضب على الفلك ، وبعض يعتب على القدر ، وبعضهم يتجاوز الأسباب فيعاتب اللّه تعالى ، حتى قال بعض المجان عند قوله تعالى : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ « 2 » زال المرا ، ولو تولى غيره قسمة أرزاق الورى ، جرت خطوب بيننا لكنها تحت العرا . وذلك لحرصهم على ارتكاب المقابح ، ولجهلهم بما يقيض اللّه لعباده من المصالح . وقول الشاعر : هذا الذي ترك الألباب حائرة * وصير العالم النحرير زنديقا فالذي يصير بذلك زنديقا فبأن يسمي الجاهل الشرير أولى من أن يسمي العالم النحزير ، وقد قال حكيم : سوأة لمن أعطى العلم فجزع لفقد الذهب والفضة ، ولمن أعطي السلامة والدعة فجزع لفقد التعب والألم ، فثمرة العلم السلامة والدعة ، وثمرة المال التعب والألم .

--> ( 1 ) البقرة / 200 . ( 2 ) الزخرف / 32 .