الراغب الأصفهاني

390

الذريعة إلى مكارم الشريعة

فقال : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ « 1 » وقال تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً « 2 » الآية . فحق الإنسان أن يعلم أن المقتنيات الدنيوية آلات موضوعة في خان « 3 » على طريق سفره يصلح للانتفاع بها ما دام نازلا في ذلك الخان فيتناول منه مقدار البلغة ويتسلى عن الباقي عند الرحلة ، ويستهجن لنفسه أن يكذب ويغضب ويحزن ويرتكب القبايح بسببها . واعلم أن الناض الذي هو العين والورق حجر جعله اللّه سبحانه سببا للتعامل به كما تقدم ذكره آنفا ، وهو خادم غيره ، فقبيح بالحر المترشح لنيل الفضائل والاقتداء بالبارىء جلت عظمته - وهو يأمل الوصول إلى الغنى الأكبر - أن يتهافت على المال ويتناول أكثر مما يحتاج إليه ، ويجعل نفسه أقل رقيق له وأخسه كما قيل : فرق ذوي الأطماع رق مخلد ، ويكون معتكفا فيه على حجر يعبده كما قال تعالى : يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ « 4 » . والذي أرى أن إبراهيم عليه السّلام لما سأل اللّه تعالى فقال : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ « 5 » لم يرد إلا أن يحرسه وذريته عن محبة الأعراض الدنيوية الصارفة عن اللّه فمثله وولده يتنزه عن أن يشفق من اعتقاده في حجر أنه هو صانعه وأنه يستحق عبادته . وقد قال في موضع آخر إشارة إلى ما يعم في هذا المعنى وغيره : يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ

--> ( 1 ) المؤمنون / 55 ، 56 . ( 2 ) المدثر / 11 . ( 3 ) الخان : المتجر والحانوت وهي معربة . ( 4 ) الأعراف / 138 . ( 5 ) إبراهيم / 35 .