الراغب الأصفهاني

389

الذريعة إلى مكارم الشريعة

مدح المال وذمه المال إذا اعتبر بكونه أحد أسباب قوام الحياة الدنيوية فهو عظيم الخطر كما تقدم ، وإذا اعتبر بسائر القنيات فهو صغير الخطر إذ هو أخس القنيات . فالقنيات ثلاثة : نفسية وبدنية وخارجة والخارجة أدونها وأدون الخارجات الناض لأنه خادم غير مخدوم وسائر القنيات خادم من وجه ومخدوم من وجه ، لأن النفس يخدمها البدن والبدن يخدمه المأكل والملبس وهما يخدمهما المال ، فالمال من حقه أن يكون خادما لغيره من القنيات وأن لا يكون شيء من القنيات خادما له وإن كان كثير من الناس لجهلهم يجعلون جاههم وأبدانهم ونفوسهم خدما للمال وعبيدا وهم الذين ذمهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله : « تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس ولا انتعش وإذا شيك فلا انتقش » « 1 » ولعظم موقع المال عند من لم يتجاوز المحسوسات قال تعالى حكاية عن بعض أنبيائه فيما خاطب به أمته : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً . وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً « 2 » . ولعظم منافعه في الأمور الدنيوية قال تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً « 3 » ونبه على حقارة قدره بالإضافة إلى أحوال الآخرة فقال : لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ « 4 » ، وخوف من أعجب باقتنائه وذمه

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) نوح / 10 . ( 3 ) النساء / 5 . ( 4 ) المنافقون / 9 .