الراغب الأصفهاني
375
الذريعة إلى مكارم الشريعة
تسخير اللّه همم الناس للصناعات المختلفة ، وعناية كل واحد بما يتحراه لما احتاج الناس بعضهم إلى بعض سخر اللّه تعالى كل واحد منهم لصناعة ما يتعاطاها وجعل بين طبائعها وصنائعهم مناسبات خفية واتفاقات سماوية ، ليؤثر كل واحد منهم حرفة من الحرف يشرح صدره لها ، ويفرح بملابستها وتطيعه قواه لمزاولتها ، ولو كلف صناعة أخرى ربما وجد متبلدا فيها ، ومتبرما بها . وقد سخرهم اللّه تعالى لذلك لئلا يختاروا بأجمعهم صناعة واحدة ، فتبطل الأقوات والمعاونات ، ولولا ذلك لما اختاروا من الأسماء إلا أحسنها ، ومن البلاد إلا أطيبها ومن الصناعات إلا أجملها ، ومن الأعمال إلا أرفعها ، ولتفاخروا على ذلك . ولكن اللّه تعالى بحكمته جعل كلا منهم فيما هو فيه مجبرا في صورة مختار ، فالناس : إما راض بصنعته لا يريد عنها حولا كالحائل الذي يرضى بصناعته ويعيب الحجام ، والحجام الذي يرضى بصناعته ، ويعيب الحائل ، وبهذا انتظم أمرهم كما قال تعالى : فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « 1 » . وإما كاره لها : يكابدها مع كراهيته إياها ، كأنه لا يجد عنها بديلا ، وعلى هذا دل قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل ميسر لما خلق له » « 2 » ، بل صرح تعالى بذلك في قوله : نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
--> ( 1 ) المؤمنون / 53 . ( 2 ) رواه البخاري في باب التفسير بلفظ « اعملوا فكل ميسر لما خلق له » البخاري تفسير سورة الليل - أحاديث 4945 - 4949 . فتح الباري / 8 / 708 .