الراغب الأصفهاني

353

الذريعة إلى مكارم الشريعة

أنواع العدل وما يستعمل ذلك فيه العدل ضربان عدل مطلق يقتضي العقل حسنه ولا يكون منسوخا في شيء من الأزمنة ولا يوصف بالجور في حال وذلك هو جذب الإحسان إلى من أحسن إليك وكف الأذية عمن كف أذاه عنك ، وعدل مقيد يعرف كونه عدلا بالشرع ويمكن أن يكون منسوخا في بعض الأحوال والأزمنة ، وذلك مقابلة السوء بمثله كأحوال القصاص وأروش الجنايات ، وكأخذ مال المرتد ، وهذا النحو يصح أن يوصف على المجاز في بعض الأحوال بالجور ولذلك قال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها « 1 » فسمى جزاء السيئة سيئة من حيث أنه لو لم يكن معتبرا بالسيئة المتقدمة كانت هي سيئة ، وعلى ذلك : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ « 2 » وبالنظر إلى النوع الأول والاعتبار به قال بعض المتكلمين يعرف العدل والجور قبل الشرع « 3 » ، وبالنظر إلى النوع الثاني والاعتبار به قال بعضهم لا يعرفان إلا بالشرع ، وعلى الجملة فالشرع مجمع العدالة وبه تعرف حقائقها ، ولو توهمناه مرتفعا لكان يؤدي إلى أن لا يكون عدل على الحقيقة في شيء من جزئيات الأفعال ، ولا يكون في كثير من كلياتها ، فالعدل المحمود هو الذي يتحرى فعله لا رياء ولا سمعة ولا رغبة ولا رهبة وإنما يكون تحريا للحق عن سجية . والذي يجب أن يستعمل الإنسان معه العدل خمسة أشياء الأول : بينه وبين رب العزة سبحانه وتعالى بمعرفة توحيده وأحكامه . والثاني : بين قوى نفسه وذلك بأن يجعل هواه مستسلما لعقله فقد قيل أعدل الناس من أنصف عقله من هواه . والثالث : بينه وبين أسلافه الماضيين في إيثار وصاياهم

--> ( 1 ) الشورى / 40 . ( 2 ) هود / 38 . ( 3 ) يقصد المعتزلة في قولهم بالحسن والقبح العقليين وقد سبق ذكر ذلك .